المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٦

لهم رياض حُتوف فالذُّباب بها ... يَشدوهُم في الهوادي كلما اقتحمُوا
بيض يضعن المنايا السّودَ صارخةً ... وهي الذّكور التي افُتضت بها القمم
أخذه من قول أبي نصر عبد العزيز بن نباته السعدي:
ومن العجائب أنّ بيضَ سيوفه ... تلد المنايا السّودَ وهي ذُكورُ
إلا أنه زاد عليه، وبعد ما ساواه في المقابلة، بذكر البيض والسود. وذكر الذكورية مع ذكر الوضع الذي ذكره في موضع " تلد " بقوله: " صارخة "، إذ من شأن المولود أن يستهل صارخا عند الوضع. وكذلك الواضعة تصرخ أيضاً حالة الطلق، فتمم بهذه الزيادة قوله: " يضعن المنايا السود ".
كما زاد عند ذكر الذكور، وتمم المعنى بقوله: " افتضت بها القمم "، فجعل سيلان دماء القمم بذكور الصوارم كسيلان دماء العذارى لدى افتضاض ذكور الرجال لها، وهذا من سر الشعر المخزون، وعلمه المكنون. وفي البيت الذي وطأ به نوع من أنواع البديع يسمى التويرة، وهو قوله:
لهم رياضُ حثتوف فالذّباب بها ... يَشُدوهم في الهوادي كلَّما اقْتَحموا
الذباب، من الحيوان معروف؛ والذباب: ذباب السيوف. الشدو: الغناء. فشبه طنين الذباب في الهوادي، وهي الأعناق، بترنم الذباب. واستعار الرياض للحتوف توطئة لشدو الذباب؛ لأن الرياض الملتفة الأسجار، موضع ترنم سواجع الأطيار.
وملاحظة أمثال هذه المقاصد من مقاصد فحول الشعراء، مما يعين الشادي في الأدب المحاول انظم الشعر، على نظم جيده.
وأذكرني بيت نباتة قول ابن الرومي، وهو من أحسن ما سمعت في معناه:
ومن عجبٍ أنَّ السّيوف لديهمُ ... تحيضُ دماءً والسّيوفُ ذُكورُ
وأعجبُ من ذا أنهَّا في أكُفِّهم ... تَأَجَّجُ نارا والأكفُّ بُحور
ومن شعراء المغرب الأوسط، وأهل التصنيف والإتقان والضبط، الشاعر الرقيق، العربي الأزدي العريق:

أبو علي حسن بن رشيق
وكان رجلا تلعابه، كثير الدعابة، غير أنه لم يذمه أحد بذلك ولا عابة، كتب إلى بعض الرؤساء:
إنّي لقيتُ مشقَّهْ ... فابعث إلى بشُقَّةْ
كمثل وجْهِكَ حُسنا ... ومثل دِينَيِ رِقَّة
فقل له الرئيس: أما مثل دينك رقة، فلا يوجد إلا بوزن أمثال رمال الرقة؛ ثم استحسن في هذه المداعبة أدبه، فقضى أربه.
فمن قوله يمدح السلطان أب يحيى تميم بن المغر:
أصَحُّ وأقْوى ما روينَاه في النَّدَى ... من الخبرِ المأثور منذُ قديمِ
أحاديثُ تُمليها السّيولُ عن الحَيا ... عن البَحر عن جُودِ الأمير تمِيم
وله أيضاً:
لو أورقتْ من دَم الأبطال سُمْرُ قناً ... لأوْرَقَت عنده سُمْر القَنَا الذُّبُلِ
إذا توجَّه في أولى كتائبه ... لم تفْرِق العينُ بين السّهل والجبلِ
فالجيش يَنْفُض حولَيه أسنَّتَه ... نفْضَ العُقاب جَنَاحَيها من البَللِ
وهذا البيت من غرر قلائده، وهو مع ذلك ملتقط من قول المتنبي:
يهزُّ الجيش حولك جانبيه ... كما نَفَضت جَناحيها العُقابُ
ومن قول أبي صخر الهذلي:
وإنّي لتَعْرُوني لذكرِاك هِزَّةٌ ... كما انتفَض العُصفورُ بَّللهَ القطر
ومعنى الالتقاط، ويسمى أيضاً بالتلفيق والترتيب، أن ينشر الشاعر المعاني المتقاربة، ويستخرج منها معنى مولداً يكون فيه كالمخترع، وينظر به إلى جميع تلك المعاني، فيقوم وحده مقام جماعة من الشعراء، وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته. ومن أحذق من فعل ذلك المتنبي والمعري.
ولابن رشيق أيضاً:
ومن حسناتِ الدّهر عنديَ لَيلةٌ ... من العُمر لم تَتْرُك لأيّامنا ذَنْبَا
خلونا بها نَنفي الكرى عن جُفوننا ... بلُؤْلُؤةٍ مملوءةٍ ذهباً سكبا
ومِلْنا لتقبيل الخدود ولَثمها ... مَمِيَل جياع الطّيرِ تلتقُط الحبَّا
وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني في ابتداء قصيدة فريدة:
عَرِّسَا بِي فذَا مُناخٌ كريمُ ... هذه جُمَّةٌ وهذا تمِيمُ
هذه الجنّةُ التي وعد الله وهذا صراطُه المستقيم