المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٥

إذا قّبل الإنسان آخر تُشتهي ... ثنايَاُه لم يأثَمْ وكان له أجْرُ
ومن مجيد شعراء المغرب:

محمد بن زكريا القلعي
له من قصيدة يمدح بها بعض المغرب، وكأنما عني بمعانيها مولانا السلطان الملك الكامل، وأشار بأنامل بديع ألفاظها إليه، لا برحت محاسن المحامد مصروفة له، وموقوفة عليه:
وقادَ الجيادَ الأعوجيّاتِ دونَها ... عوابسُ تَطفُو في العَجاج وتَرْسُبُ
عساكُر مثل الطَّرف إن خِفْن ضِلَّة ... أضاءَ لها ليلُ الحديدِ المذوَّب
يَمُر نُهاهُ بالشُّكوكِ فتنجلي ... ويجري نداهُ في الأُجاج فيعذُب
وكأنما عناه أيضاً هذا الشاعر بقوله:
ملك إذا طُلِبَ الغَمامُ بِفَوق ما ... في وُسْعه فعلى نداهُ يُحيل
زَجرَت مواهبُه المساغبَ أن تُرى ... ولها بساحة مُجتدية حُلول
ومن شعراء:

صقلية
وهي بفتح الصاد والقاف، قاله النحوي أبو بكر محمد بن علي بن الحسن بن البر التميمي، هكذا عربتها العرب. واسمها بالسان الرومي " سيكة " بكسر السين وفتح الكاف وسكون الهاء، و " كيليه " بكسر الكاف واللام، وتشديد الياء وسكون الهاء، وتفسيرها: تين وزيتون. وإلى هذا المعنى أشار الأديب البارع، أبو علي حسن بن رشيق، حين مدح صقلية بقوله:
أخْتُ المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سِوَاها من البُلدان فالتَمِسِ
وعظَّم اللهُ معنَى لفظها قسماً ... قَلِّد إذا شئتَ أهل العلم أو فَقِس
قوله في هذا البيت:
وعظم الله معنى لفظها قسما
يريد قول الله جل جلاله (والِّتينِ والزَّيْتُون) قال مجاهد في صحيح البخاري: هو التين والزيتون الذي يأكل الناس.
وقال الحسن: هو التين الذي يؤكل، ولزيتون الذي يعصر. وبه قال عكرمة.
وقال آخرون: التين: مسجد دمشق، الزيتون: بيت المقدس، قاله كعب وقتادة وابن زيد وعكرمة أيضاً.
وصقلية: جزيرة كبيرة طولها مسيرة أيام، وعرضها مسيرة خمسة أيام. وهذا الاسم لأحد مدنها. فنسبت الجزيرة كلها إليها. وفيها مدن كثيرة وقلاع شهيرة، وهي في البحر الشامي، موازية لبعض بلاد إفريقية، بينهما يوم وليلة. افتتحت في سنة اثنتي عشرة ومائتين، ثم إن الله تعالى صرفها إلى النصارى. فكان أول افتتاح كان فيها لهم في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، إلى أن خلصت الجزيرة كلاه لهم في سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
فمن شعرائها:

أبو محمد ابن حمديس
عبد الجبار بن أبي بكر محمد بن حمديس
شاعر جيد السبك، مليح الاستعارة، حسن الأخذ، لطيف التناول، رقيق حواشي المعاني، عذب اللفظ. دخل الأندلس وافداً على المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد بإشبيلية فمدحه بأشعاره البديعة، وعبر عن الأدب بأنفاسه النفيسة الرفيعة. فما يجري من قوله رقة مع الماء، ويكاد يمتزج بالهواء، ويأخذ بمجامع الأهواء، قوله من قصيدة:
قُم هالكها من كفّ ذاتِ الوشاحْ ... وقد نَعي الليلَ بشيرُ الصّباحْ
وباكِر اللذات واركبْ لها ... سوابق الَّلهو ذواتِ المِراحْ
من قبل أن تَرشُف شمُس الضّحى ... ريقَ الغوادِي من ثُغور الأقاحْ
أنظر من أحسن هذه الاستعارة، وأحلى هذه العبارة.
وله قصيدة أخرى في الوزن على الرّويّ أولها:
طَرَقَتْ والليلُ ممدُود الجَناحْ ... مرحباً بالشمس من غير صباح
أتى فيها بكل معنى مبتكر بديع، معدود من الطراز الأول الرفيع.
ومما أخذه فملكه فأسترقه، واستوجبه بزيادته فيه على مبتكره واستحقه، قوله في وصف فرس سابق:
كأنّ له في الأذن عيناً بصيرةً ... ترى اليوم أشباحا تمرُّ به غداَ
يقيّد بالسبق الأوابَد فوقَه ... ولو مرَّ في آثارهنّ مُقَيّدا
أخذه من قول امرئ القيس بن حجر، وهو أول من قصد القصائد، وقيد الأوابد، فقال في لاميته المعلقة:
وقد اغتدى والطيرُ في وكناتها ... بمنَجردٍ قيد الأوابد هَيْكلِ
وزيادة عبد الجبار عليه قوله:
ومر في آثارهن مقيدا
وتصدير هذا العجز بقوله: " أقيد بالسبق " مليح جدا.
ومن مليح أخذه المستحسن قوله من أخرى.