المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٤
قوله في البيت الأول: " سلم إذ مر "، ثم قوله في آخر البيات: " فكيف لو مر وما سلما " من الصنف المسمى في صناعة البديع بالتبديل. إلا أنه فرق بينهما في أبيات، وقد جمع ذلك بعض أهل مصره، من شعراء عصره، فقال:
أصبحتُ صباً دَنِفا مُغرمَا ... أشكُو جوى الحبّ وأبكي دَمَا
هذا وقد سلَّم إذْ مَرَّ بي ... فكيف لَوْ مَرَّ وما سَلَّما
ومن أفاضل شعراء المغرب المعروفين بالإجادة، الموصوفين بالإحسان والإفادة:
أبو عبد الله ابن قاضي ميله
اشعر من دب بميلة ودرج، ودخل بها وخرج. فمن رقيق شعره قوله:
قلتُ للحسناء لما أبْصَرت ... دمع عَيْنِي قد جَرى فيما جَرى
لا تَظنّي الدّمع ما عَايَنْتِه ... أنا من يُهِدي إليك الخَبَرا
جالَ في خدَّيك من ماء الصَّبى ... رونقٌ يَسْبي سَناَه البشرا
تأخذُ الأجفانُ منه رِيهَّا ... فإذا جازَ التَناهِي قَطَرا
ومن قوله:
رحَلَ الرّكُب والمشوقُ مقيمُ ... كيف يَسْري معَ الصِّحاح السَّقُيمِ
وبتلك القبابِ رِيمٌ تولىَّ ... وضُلوعي كهفٌ له ورَقيم
أمُّه اّلشمسُ وهو أعجب شيء ... فمتى أنْتَجْته وهي عقيم
أقعدتْني حوادثُ الدّهر عنه ... هكَذا الدّهْرُ مُقعِدٌ ومقيم
وله في حمامة فوق أيكة تصدح، في فحمة الليل والبرق يقدح:
ومُرِنَّةٍ قدحت زنَاد صبابتي ... والبرقُ يقدَح في الظّلامِ شَرارُهُ
ورقاءُ تأرق مُقلتي لبكائها ... ليلاً إذا ما هَوَّمتْ سُمَّاره
إيهٍ بعيشك يا حمامةُ خَبِّري ... كيف الكثيبُ ورَنده وعَرَاره
أترنَّحت بجوانحي أثَلاثُه ... أم أيْنَعت بمدامِعي أزهاره
وله في المعاني:
ورقاءُ ضافيةُ الجناح تَستَّرت ... عنَّا بغُصْنَيْ بانَةٍ وأرَاكِ
غنّت فأذكرِت المشوقَ ببثّها ... وتمايلت فعل الصّحيح الشّاكي
وعجبتُ من ضّدين في أوصافها ... خَلْع الخليع ولِبسة النُّسَّاك
وله في المعنى:
ومُرنّةٍ والدّجنُ ينسج فوقَها ... بُردين من نَوءٍ وطلٍّ باكِ
مالت على طيِّ الجَناح وربّما ... جَعلت أريكتَها قضَيب أراكِ
وممن نسج في الرقة على منواله، وضرب في بديع المعاني والألفاظ على مثاله:
محمد بن حبيب المهدوي القلانسي
فقال:
بدورُ وجوهٍ في ليالي ذوائب ... لَعبنْ بلبّي بين تلكَ الملاعب
تَبرقَعْنَ من خَوفِ العيون وإنّما ... طَلَعن شموساً تحت غُرِ السّحائب
وفوَّقْن من تحت أسهما ... من اللحظ ترمي عن قِسّيِ الحواجب
ومن الموصوفين بجزالة الألفاظ ورقة المعاني:
يعمر بن ميمون الخولاني
فمن قوله:
نُبِّئْتُ أنّك مُولٍ لا تكّلُمني ... فبتُّ خائفَ هجر منك قد حَدَثاَ
وما يفي النَّذرَ من آلي بمعصيةٍ ... هِذى مقالةُ من بالحقّ قد بُعِثَا
فاحْنث فِحْنُثك وصْلى وهو يعتقُني ... والعتقُ غايةُ تكفيرٍ لمن حَنَثا
وإن تحرَّجتَ من إثم وخفتَ له ... فأعظَمُ الإثم قتلى في الهوى عَبثا
قوله: " نبئت أنك مول ": أخبرت أنك حالف. يقال آلي الرجل فهو مؤل أليه، بتشديد الياء. والألية: اليمين، يقال: آليت وائتليت وتأليّت، أليّة وألُوةً، بفتح الهمزة؛ وألوةَّ، بضمها، وإلوّة، بكسرها، كل ذلك لغات فيها. ولم يعرف الأصمعي، كسر الهمزة في أوله. وفي الصحيحين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلي من نسائه شهرا.
وقوله:
وما يفي النّذَر من آلَي بمعصيةٍ ... هذى مقالُة من بالحّق قد بَعثا
صدق وبر، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ". وملح بقوله: " فأحنث فحنثك وصلى "، وبالبيت الذي بعده وكأنهما ينظران إلى البيت الذي أنشده أبو الفرج الأصبهاني في كتبا الأغاني له: