المطرب من أشعار أهل المغرب

المطرب من أشعار أهل المغرب - ابن دحية - الصفحة ١٢

والغنى: ضد الفقر، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس الغنى عن كثرة العرض ": بفتح العين والراء، يعني كثرة المال والمتاع، وسمى عرضا، لأنه عارض يعرض وقتاً، ثم يزول ويفنى. ومنه قوله أيضاً: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غني ". قيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم وحاجتهم. ويقويه قول الله عز وجل: (ويسألونَك ماذا يُنفقون قل العفو) . قيل: الفضل عن أهلك.
وقوله: " تناثر فيها الطبع ورداً وسوسنا " بضم السين، وهو لحن، وليس له في العربية وزن، والصواب: سوسن، بفتح السين، على وزن فوعل بفتح الفاء، وكذلك روشن وأمثاله، نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل، إلا جؤذر في قول بعضهم. والدست: المرتبة العالية.
ومن أعيان شعراء المغرب الراسخين في الأدب، المتمسكين منه بأمتن سبب، أبو الطيب أحمد بن الحسين بن محمد المهدوي المسيلي له مقطعات غزل أحسن من قطع الرياض، وأغزل من العيون المراض. وكان شعره مدوناً بالثغر الأعلى بمدينة سر قسطة. أنفرد بروايته عالمها وحسيبها الفقيه العالم النحوي الأصولي المتكلم أبو جعفر محمد بن حكم بن باق السرقسطي - وجده الأعلى محمد بن باق، ملك مدينة سالم - استوطن آخراً مدينة فاس، ولى أحكام القضاء بها. وكان محمود الحال، حسن الخلق، قولاً بالحق إلى أن توفي في العشر الأواخر من شعبان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، أجاز له الفقيه الإمام القاضي أبو الوليد الباجي اللغوي النحوي الإمام أبو القاسم، وأبو محمد عبد الدائم بن مروان بن خير القيرواني، نزيل مدينة المرية. روى بالبصرة عن أبي الحسن محمد بن الحسين، سنة ست وعشرين وأربعمائة، عن هلال بن المحسن. ولقي المعري سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وقرأ عليه، وسمع بالأندلس على جماعة. وحمل الإمام أبو جعفر بن باق ببلده سرقسطة عن الفقيه القاضي بها أبي محمد بن فورتش، وأبي عمر أحمد بن مروان المالكي، قرأ عليه كتب أبي المعالي. وروى عن أبي سعيد محمد بن سعد الزعيمي البغدادي، طرأ على الأندلس وهو مسن. وروى عن الشريف المرتضى؛ أخي الشريف الرضي؛ القصيدة التي أولها:
يا ظبية البان ترعى في خمائله
مع جميع ما رواه عن الشريف وعن غيره. وروى شعر أبي العرب الصقلي. وكان أبو العرب قد سكن سرقسطة ومدح المستعين بن هود بشعر كثير. وروي أيضاً عن أبي جعفر البطروشي، والوزير أبي الفوارس بن عاصم، والوزير أبي عبيد البكري، وغيرهم.
أقرأَ أبو جعفر هذا بمدينة فاس كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح، وتكلم على أعيان مسائله، وعلى جملة أبياته وشواهده، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي. وكان في النحو والأصول لا يشق غباره، ولا يخاض تياره. وله تأليف في علم الجدل.
حدثني عنه جماعة من شيوخي رحمهم الله فأولهم، وأفضلهم قاضي الجماعة، ومعدن البراعة؛ المتفنن في جميع العلوم، والمحسن إلى كل مجهول ومعلوم. الفقيه الزناتي الذي فاق متقدم الفقهاء الأوائل، وأعياسحبان وائل؛ أبو موسى عيسى ابن عمران بن دانال الزناتي المكناسي الوردميشي، من ولد الملك أبي عمران موسى ابن أبي العافية. وبنو أبي العافية هم الذين كانوا ملكوا المغرب الأقصى، وفضائله اكثر من أن تحصى، فكم حلى رحمه الله من جيد معطال، وعطر من متفال، وانهض من ثفال، وجدد من شرف بال، لم يخطر للدهر على بال:
تالله لا يأتي الزّمانُ بمثله ... إنَّ الزّمان بمثله لبخيلٌ
لقي جماعة من العلماء، منهم الفقيه أبو يوسف الزناتي الملقب بالرحى، لحفظه. وكان يحفظ دواوين، منها: المدونة، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار. فقرأ الفقه عليه، وقرأ موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى على قاضي القضاة الفقيه أبي محمد عبد الله بن خليفة الأزدي، يعرف بابن أبي عرجون، وقرأ النحو على الأستاذ أبي حسن بن عبد الله القيسي، ثم رحل إلى مدينة فاس، فلقي الفقيه النحوي الأصولي المتكلم أب جعفر محمد بن حكم بن باق المذكور آنفا، ولقي بأغرناطة النحوي الكبير أبا بكر محمد بن مسعود الخشني، يعرف بابي ركب. ثم رحل إلى المرية، فلقي إمام أهل عصره، ورزين جميع الأمصار مع مصره، أبا القاسم أحمد بن محمد التميمي سبط ابن ورد، وسمعه يقول: لم ألق بالأندلس مثل ابن ورد، ولا أحاشي من الأقوام من أحد.