سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٩٣
٣٢٧١- إسحاق بن إبراهيم ١:
ابن مسرة أبو إبراهيم الطُّلَيْطِلِيُّ الزَّاهِدُ, أَحدُ الأَعلاَمِ بقُرطُبَةَ, كَانَ يتَّجر بِهَا فِي الكتَّانِ, وَكَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالعملِ, وَمِمَّنْ لاَ تَأَخذُهُ فِي اللهِ ملاَمةٌ.
وَكَانَ فَقِيْهاً مشَاوراً مُنْقَبِضاً عَنِ النَّاسِ مَهِيْباً.
وَكَانَ المستنصرُ بِاللهِ الحكمُ يتأدَّب مَعَهُ, وَيحترمُهُ جِدّاً, وَقَدْ كتبَ إِلَيْهِ الحكمُ وَرقةً فِيْهَا: حفظَكَ اللهُ، وَتَوَلاَّكَ وَسَدَّدَكَ وَرعَاكَ, لمَا امتحنَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ سيِّدي أَبقَاهُ اللهُ للأَوْلِيَاءِ الَّذِيْنَ يَسْتَعدُّ بِهِم, مُتقدّماً فِي الولاَيَةِ, متَأَخراً عَنِ الصِّلَةِ, عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَنذرَكَ خصوصاً للمشَاركَةِ فِي السُّرُورِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ, ثُمَّ أنْذرت مِنْ قِبَلِي إِبلاغاً فِي التَّكرمةِ, فَكَانَ مِنْكَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التخلُّفِ مَا ضَاقتْ عَلَيْكَ فِيْهِ المَعْذرَةَ، وَاسْتبلغَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فِي إِنكَارِهِ، وَمعَاتبتِكَ, فَمَا الَّذِي أَوجبَ توقُّفَكَ عَنِ إِجَابَةِ دعوتِهِ لأعرفَهُ?
فَأَجَابَ أَبُو إِبْرَاهِيْمَ: سلاَمٌ عَلَى الأَمِيْرِ سيِّدي وَرَحْمَةُ اللهِ, لَمْ يَكُنْ توقُّفي لنفسِي, إِنَّمَا كَانَ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ, وَذكرَ كلمات قَبِلَ بها عذره.
وَمِنْ خوَاصِّ تلاَمذَتِهِ: القَاسِمُ بنُ أَحْمَدَ, المَعْرُوف بِابْنِ أَرفعَ رَأْسِهِ.
وَقَدْ ذُكرَ فِي تَاريخِ أَعِيَانِ الموَالِي بِالأَنْدَلُسِ، وأنَّه مَوْلَى بنِي هِلاَلٍ التُّجيبيين, وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَحفظِ العُلَمَاءِ للمسَائِلِ, وَلهُ ديوَانٌ شريفٌ سَمَّاهُ "كِتَابَ النصَائِحِ".
تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ, وَقبرُهُ يُزَارُ بِالأَنْدَلُسِ, وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ قَبْل ذَلِكَ.
أمَّا الزَّاهِدُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مسرَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ, الَّذِي ألَّف فِي التَّصوفِ, فتوفِّي سَنَةَ تِسْعَ عشرة وثلاث مائة. رُمِيَ بالقدر.
١ سبق لنا ترجمته في هذا الجزء بتعليقنا رقم "٢٣٤"، وترجمة برقم عام "٣٢٥٩".
٣٢٧٢- بُنْدَار بن الحُسَين ١:
الشيرازي القُدْوَةُ, شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ, أَبُو الحُسَيْنِ, نزيلُ أرَّجان.
صحبَ الشَّبليّ، وحدَّث عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنَ عبدِ الصمد الهاشمي بحديثٍ واحد.
وَكَانَ ذَا أَمْوَالٍ فَأَنفقهَا وتزهَّد، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالكَلاَمِ وَالنَّظَرِ.
قَالَ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الوَاحِدِ بنَ مُحَمَّدٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ بُنْدَارَ بنَ الحُسَيْنِ يَقُوْلُ: دَخَلتُ عَلَى الشِّبلِيِّ، وَمعِي تجَارَةٌ بِأَرْبَعِيْنَ أَلفِ دِيْنَارٍ, فنظرَ فِي المرآةِ فَقَالَ: المرآةَ تقول: إنَّ ثَمَّ سببًا, قُلْتُ: صَدَقَتْ قَالَ السُّلَمِيُّ: كَانَ بُنَْدار عَالِماً بِالأُصولِ، وَلَهُ ردٌّ عَلَى ابْنِ خَفِيفٍ فِي مَسْأَلَةِ الإِغَانَةِ وَغيرهَا، وَمِمَّا قِيْلَ: إِنَّ بُنْدَاراً أَنشدَهُ:
نوَائِبُ الدَّهْرِ أَدَّبَتْنِي ... وَإِنَّمَا يُوعَظُ الأَدِيبُ
قَدْ ذُقْتُ حلُواً وَذُقْتُ مُرّاً ... كَذَاكَ عيشُ الفَتَى ضُروبُ
مَا مَرَّ بُؤْسٌ وَلاَ نَعِيمٌ ... إلَّا وَلِي فِيْهِمَا نَصِيْبُ
وَمِنْ كلاَمِهِ: لاَ تُخَاصِمْ لِنَفْسِكَ, فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ, دَعْهَا لِمَالِكِهَا, يفعلُ بِهَا مَا يُرِيْدُ.
وَقَالَ: صُحْبَةُ أَهْلِ البِدَعِ تورِّث الإِعرَاضَ عَنِ الحَقِّ.
قِيْلَ: تُوُفِّيَ بُنْدَار سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
١ ترجمته في حلبة الأولياء "١٠/ ترجمة ٦٥٩"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٣/ ٣٣٨".