سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٨٧
قَرَأْتُ بخطِّ الحَافِظِ الضِّيَاءِ فِي جُزءٍ علَّقَه مآخِذَ عَلَى كِتَابِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: فِي حَدِيْثِ أَنَسٍ فِي الوصَالِ[١] فِيْهِ دليلٌ عَلَى أنَّ الأَخبارَ الَّتِي فِيْهَا وضعُ الحَجَرِ عَلَى بطنِهِ مِنَ الجوعِ كُلُّهَا بَوَاطِيْلٌ, وَإِنَّمَا معنَاهَا الحُجَز، وَهُوَ طرفُ الرِّدَاءِ؛ إِذ اللهُ يُطعمُ رسولَهُ, وَمَا يُغنِي الحَجرُ مِنَ الجوعِ[٢].
قُلْتُ: فَقَدْ سَاقَ فِي كِتَابِهِ حَدِيْثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خُرُوْجِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الجوعِ, فلقِيَا النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: "أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا" فدلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُطعَمُ وَيُسقَى فِي الوصَالِ خَاصَّةً.
وَقَالَ فِي حَدِيْثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِرَجُلٍ: "أَصُمْتَ مِنْ سررِ شَعْبَانَ شَيْئاً"؟ قَالَ: لاَ قَالَ: "إِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمِينِ" [٣].
فَهَذِهِ لفظَةُ اسْتخبارٍ, يريد الإعلام بنفي جواز ذلك؛ كالمنكر عَلَيْهِ لَوْ فعلَهُ؛ كقولِهِ لعَائِشَةٍ: "تَسْتُرينَ الجُدُرَ" [٤]، وَأَمْرُهُ بصومِ يَوْمَينِ مِنْ شَوَّالٍ, أَرَادَ بِهِ انتهَاءَ السّرَارِ، وَذَلِكَ فِي الشّهرِ الكَاملِ, وَالسّرَارُ في الشهر الناقص يوم واحد.
[١] وهو ما ورد عن أنس -رضي الله عنه- قال: واصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول شهر رمضان, فواصل ناس من المسلمين, فبلغه ذلك فقال: "لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي" أو قال: "إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني".
أخرجه أحمد "٣/ ١٢٤، ١٩٣، ٢١٨، ٢٣٥، ٢٤٧، ٢٥٣، ٢٨٩"، وابن أبي شيبة "٣/ ٨٢"، والبخاري "٧٢٤١"، ومسلم "١١٠٤"، والترمذي "٧٧٨"، وأبو يعلى "٢٨٧٤"، "٣٠٩٩"، "٣٢٨٢"، وابن خزيمة "٢٠٧٠"، والبيهقي "٤/ ٢٨٢"، والبغوي "١٧٣٩" من طرق عن ثابت، عن أنس، به.
[٢] قد ثبت وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- الحجر على بطنه من الجوع: فيما رواه البخاري "٤١٠١"، وأحمد "٣/ ٣٠٠" من حديث جابر بن عبد الله قال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق, قال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- المعْوَل فضرب في الكدية، فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم" الحديث, وقوله "فعرضت كدية": قيل: هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري "١٩٨٣"، ومسلم "١١٦١" من حديث عمران بن حصين، به.
والسرر -بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها- جمع سرة، ويقال أيضًا: سرار -بفتح أوله وكسره- وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها.
وهي ليلة ثمان وعشرين, وتسع وعشرين, وثلاثين, ووقع في رواية مسلم: "يا فلان, أصمت من سرة هذا الشهر"؟ وقوله: "سرة هذا الشهر" سرته: وسطه؛ لأن السرة وسط قامة الإنسان.
[٤] صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٢٤٧"، ومسلم "٢١٠٧".