الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٧٩
الحارث بن عوف كلام عمار وتظاهر الحجة على عمرو بقي متحيرا، فقال له الحصين: ما عندك الآن يا حارث؟ فقال الحارث: ما عندي وقعة والله بين العار والنار، وو الله لا أقاتل من معاوية بعد هذا اليوم أبدا! فقال له: ولا أنا أقاتل عليا بعد هذه اليوم أبدا.
قال: ثم هربا من عسكر معاوية جميعا فصار أحدهم إلى حمص وأظهر التوبة، وصار الحارث بن عوف إلى مصر تائبا من قتال علي رضي الله عنه وأنشأ يقول:
قال الحصين ولم أعلم بنيته ... يا حار هل لك في عمرو وعمار
يا حار هل لك في أمر له نبأ ... فيه شركان من عوف وإنكار
فأسمع وتسمع ما يأتي العيان به ... إن العيان شفاء النفس يا حار
لما رأيت لجاج الأمر قلت له ... قولا ضعيفا نعم والكره إضماري
سرنا إلى ذلك المرءين مع نفر ... شمّ كرام وجدنا زندهم واري
لمّا تشهّد عمرو قال صاحبه [١] : ... اسكت فإنك من ثوب الهدى عاري
فارتدّ عمرو على عقبيه منكسرا ... كالهر يرقب ختلا عازم الفار
ما زال يرميه عمّار بحجته ... حتى أقرّ له من غير إكثار
قال الحصين لما أبصرت حجته ... غرّاء مثل بياض الصبح للساري
ما بعد هذين من عيب لمنتظر ... فاختر فدى لك بين العار والنار
قلت الحياة فراق القوم معترفا ... بالذنب حقّا وليس العار كالعار
قال: وأقبل نفر من أصحاب معاوية إلى عمرو بن العاص فقال له بعضهم: أبا عبد الله! ألست الذي رويت لنا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يدور الحق مع عمار حيث ما دار؟» فقال عمرو: بلى، قد رويت ذلك، ولكنه يصير إلينا ويكون معنا، فقال له ذو الكلاع: هذا والله محال من الكلام! والله لقد أفحمك عمار حيث بقيت وأنت لا تقدر على إجابته! قال عمرو: صدقت، وربما كان كلام ليس له جواب، قال:
فأنشأ رجل من بني قيس [٢] يقول في ذلك:
[١] يريد عمار بن ياسر، انظر ما سبق من مناقشة بينهما.
[٢] في وقعة صفين ص ٣٤٤: وقال العنسي.