الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٨٩
الذي دعاهم إليه أمس، ولو ردّه عليهم لكنتم عليه أعتب [١] ، فلا يلحد في هذا الأمر إلا ورجع على عقبيه أو يستدرج الذين تعرضوا بيننا وبين من طعن على أمير المؤمنين بعد هذا الأمر إلا بالسيف، ثم أنشأ يقول:
أتى نبأ من الأنباء ينمي ... وقد يشقى من الخبر الخبير
وقد جاء معاوية بن حرب ... بأمر قد تضيق به الصدور
فما أحيى القرآن [و] وحي لكن ... متى حاروا فمخّ القوم زير
فلا تعجل معاوية بن حرب ... وإن سرور ما تهوى غرور
فإنك والخلافة يا ابن حرب ... لكالحادي وليس له بعير
قال: ثم وثب جماعة من بني بكر بن وائل، منهم حريث بن جابر وخالد بن معمر وشقيق بن ثور وكردوس بن عبد الله [٢] إلى علي رضي الله عنه فقالوا: ما ترى يا أمير المؤمنين؟ إن أجبت القوم أجبنا وإن أبيت أبينا، وها نحن بين يديك. فقال علي: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله [٣] ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة والضحاك بن قيس وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهم منكم، لأني [٤] قد رأيتهم صغارا وصحبتهم كبارا، وكانوا شرّ أطفال وشر رجال، وقد علمت أن رفع هذه المصاحف إنما هو وهن [٥] وخديعة ومكيدة، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فآبى أن أقبله، لأني إنما قاتلتهم ليدينونا [٦] بحكم القرآن، لأنهم قد كانوا عصوا الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فلم ينتهوا ونقضوا [٧] عهده ونبذوا كتابه، غير أني أراكم قد اجتمعتم على أمر لا أرى فيه مخالفتكم.
[١] الإمامة والسياسة: أعيب.
[٢] كذا بالأصل هنا، وقد مر قريبا كردوس بن هانئ.
[٣] في الأخبار الطوال ص ١٩٠: «عباد الله، إنا أحرى من أجاب إلى كتاب الله، وكذلك أنتم» وفي وقعة صفين ص ٤٩٠: «أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه» .
[٤] الطبري ٦/ ٢٧ ومروج الذهب ٢/ ٤٣٣: قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال.
[٥] الطبري: «خديعة ودهنا ومكيدة» ومروج الذهب: خديعة ودهاء ومكيدة.
[٦] الطبري ومروج الذهب: ليدينوا.
[٧] الطبري: ونسوا عهده.