الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٥٧
ورويت أن الموت آخر [١] موعد ... وأن الذي ناداك فيه الدهارس
وتشمت بي إذ نالني حد رمحه ... وعضّضني ناب من الحرب ناهس
وإني امرؤ لاقاه لم يبق شلوه ... بمعترك تسفى عليه الرامس
أبى الله إلا أنه ليث غابة ... أبو أشبل تهدى إليه الفرائس
فإن كنت في شك فارهج عجاجة ... وإلا فتلك الترّهات البسابس
قال: وأصبح [٢] القوم وهم بعد هذه الأمور على الحرب، وصلى عليّ الغداة بغلس [٣] ، ثم عبى أصحابه فتقدم [٤] الناس براياتهم وأعلامهم، وزحف إليهم أهل الشام في تعبيتهم [٥] ، وخرج رجل من أهل العراق على فرس له كميت لا يرى منه إلا حماليق الحدق، وفي يده رمح له، فجعل يضرب بالرمح على رؤوس أصحاب علي ويقول: سووا صفوفكم! والناس لا يعرفونه، حتى إذا اعتدلت الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولّى ظهره إلى أهل الشام ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: احمدوا الله عباد الله واشكروه إذ جعل فيكم ابن عم نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم ووصيه وأحب الخلق إليه، أقدمهم هجرة وأولهم إيمانا، سيف من سيوف الله صبّه على أعدائه، فانظروا إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسّرت الرماح [٦] وتثلّمت الصفاح وجالت الخيل بالأبطال ولا أسمع منكم إلا غمغمة أو همهمة.
قال: ثم حمل على أهل الشام، فقاتل حتى كسر رمحه [٧] ، ثم رجع فإذا هو الأشتر رحمه الله.
قال: فخرج رجل من أهل الشام حتى وقف بين الصفين ثم نادى بأعلى صوته: يا أبا الحسن! إني أكلمك [٨] ، قال: فخرج إليه علي حتى اختلف أعناق
[١] وقعة صفين: أقرب موعد.
[٢] الأصل: أصبحوا.
[٣] وذلك يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وقيل عاشر شهر صفر.
[٤] بالأصل: فتقدموا.
[٥] وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا، فقد ملوا الحرب وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم.
[٦] وقعة صفين ص ٤٧٤ وتكسر المران.
[٧] في الأخبار الطوال ص ١٨٧ ثلاثة أرماح.
[٨] الأخبار الطوال ص ١٨٧: ادن مني أكلمك.