الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٠٠
قد صابرت في حربها كنانه ... والله يجزيها بها جنانه
من أفرغ الصبر عليه زانه ... أو غلّب الشرّ [١] عليه شانه
أو كفر الله فقد أهانه ... غدا يعضّ من ندم بنانه
قال: فقاتلوا قتالا شديدا حتى أنكوا في أهل الشام يومهم ذاك إلى الليل، إلى أن أقبل أبو الطفيل إلى علي رحمة الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد أخبرتنا أن أفضل [٢] القتل الشهادة وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا بجماعة من قومنا، فقتيلنا شهيد وحقنا [٣] ثائر، فاطلب بمن بقي بثأر من مضى، فإننا وإن كنا قد ذهب صفونا وبقي كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى، قال: وأثنى عليه خيرا وجزاه وقومه خيرا.
فلما كان من الغد تقدم عمير بن عطارد التميمي في قومه من بني تميم وجعل يقول: يا بني تميم! إنني أتبع في آثار أبي الطفيل فاتبعوا أنتم آثار بني كنانة! ثم تقدم برايته وجعل يرتجز ويقول:
قد صابرت في حربها تميم ... إن تميما حقها [٤] عظيم
لها حديث ولها قديم ... إن الكريم نسله كريم
ثم حمل مع قومه فطعن برايته حتى خضبها، وقاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا.
وأقبل عمير إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين! إنه قد كان ظني بقومي حسنا وقد رأيت منهم فوق ظني بهم، قاتلوا على كل جهة وبلغوا الجهد في عدوهم، فقال له علي رضي الله عنه: صدقت قد كان ذلك، ثم أثنى عليه وعلى قومه خيرا. فلما كان من الغد تقدم قبيصة بن جابر في قومه من بني أسد، ثم قال: يا بني أسد! أما أنا فلا أقصر عن فعل صاحبي، وأما أنتم فذلك إليكم، ثم تقدم برايته فخضبها من دم أهل الشام وجعل يرتجز ويقول:
[١] وقعة صفين: الجبن.
[٢] وقعة صفين: أشرف.
[٣] وقعة صفين: وحينا.
[٤] وقعة صفين ص ٣١٠: خطبها.