الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٤٨
لقد وجدته هاشميا منافيا بالنزال لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال عمرو: والله يا معاوية لو بدا له من صفحتك ما بدا له [من] صفحتي إذا لأوجع قذالك وأيتم عيالك ونهب مالك، فقال معاوية: لو كنت تحتمل المزاح مازحتك! فقال عمرو: ما أحملني للمزاح، ولكن إن كان رجل لقي رجلا فصد عنه ولا يقتله أقطرت دما، فقال معاوية: لا ولكن تعقب فضيحة وجبنا، أما والله لو عرفت ما قدمت عليه، فقال عمرو: وهو ابن عمي فقد عفا وأحسن، فقال معاوية: أبا عبد الله! هل تعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: أنا وأنت من طينة واحدة إلى آدم! فقال عمرو: قد كان ذلك، قال معاوية: فكيف يكون ذلك ابن عمك وأبوه سيد من بني هاشم وأبوك من قد علمت؟ فقال عمرو: ليس هذا مزاح، هذا أشد من ضرب السيف، أما والله يا معاوية! لولا أني بعتك ديني إذا لما استقبلتني بمثل هذا وأشباهه، قال: فأنشأ معاوية يقول [١] :
ألا لله من هفوات عمرو ... يعاتبني على ترك البراز
فقد لاقى أبا حسن عليا ... فآب الوائلي مآب خازي
ولو لم تبد عورته لأوى ... به شيخ يذلل كل نازي [٢]
فإن تكن المنية أخرته ... فقد غنى بها أهل الحجاز
قال: فأجابه عمرو وهو يقول [٣] :
معاوي قد ثقلت عن البراز ... لك الخيرات فانظر من تبازي [٤]
معاوي ما اجترمت إليك ذنبا ... وما أنا بالذي حدثت خازي
وما ذنبي بأن نادى عليّ ... فكبش القوم يدعى للبراز
[١] الأبيات في وقعة صفين ص ٤٠٧.
[٢] في وقعة صفين:
فلو لم يبد عورته للاقى ... به ليثا يذلل كل نازي
وبعده:
له كف كأن براحتيها ... منايا القوم يخطف خطف بازي
[٣] الأبيات في وقعة صفين ص ٢٧٦.
[٤] البيت في وقعة صفين:
معاوي إن نكلت عن البراز ... لك الويلات فانظر في المخازي