الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٨٨
ووسّع لها في النفقة- والسلام-.
قال: فأرسل إليها عامل الكوفة فأقرأها الكتاب وأمرها بالرحيل، فقالت الزرقاء: إن كان أمير المؤمنين قد جعل الخيار إليّ فأنا [١] لا أحب المصير إليه، وإن كان أمرا حتما فالطاعة أولى.
قال: فحملها عامل الكوفة في هودج من عصب اليمن مبطنا بالبياض، وفرش لها اللين، وضم إليها جماعة من بني عمها وأمرهم بالمسير بها إلى الشام، ودخلت على معاوية فقال: مرحبا مرحبا وحبا وقربا! قدمت خير مقدم قدمة وافد! كيف أنت يا خالة؟ فقالت: بخير يا أمير المؤمنين! أدام الله لك النعمة. قال: فكيف كنت؟
قالت [٢] : كنت كأني ربيت في بيت ممهّد، فقال معاوية: بذلك أمرناهم، أتدرين فيما ذا بعثت إليك؟ قالت الزرقاء: وأنى لي بعلم الغيب! فقال معاوية: ألست الراكبة الجمل الأحمر الواقفة بين الصفين في يوم كذا وكذا تحرضين [٣] على الحرب وتقولين كيت وكيت؟ قالت: بلى، قد كان ذلك، قال معاوية: فما الذي حملك على ذلك؟ قالت: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد مات الرأس وبقي [٤] الذنب ولن يعود ما ذهب، والدهور عجب ولا يعتب من عتب، ومن تفكر أبصر والزمان [٥] ذو غير، والأمر يحدث بعده الأمر، فقال معاوية: لله أنت يا زرقاء فهل تحفظين كلامك بصفين؟ فقالت: لا والله ما أحفظه، وإنما كان ذلك تحريضا نطق به اللسان، فقال معاوية: لكني والله أحفظه عليك حتى ما يشذ عليّ منه شيء، وو الله يا زرقاء! لقد شاركت عليا في كل دم سفكه بصفين، فقالت الزرقاء: أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك فمثلك بشّر بخير، فقال معاوية: أو يسرك ذلك يا زرقاء؟ فقالت: نعم والله لقد سرني وأنى لي بتصديق ذلك! ثم قال: والله يا زرقاء! إن وفاءكم لعلي بعد موته لأعجب من محبتكم له في حياته، وقد جئنا بك يا زرقاء وجشّمناك السفر البعيد، ولكن اذكري حاجتك، فقالت الزرقاء: هيهات! إني لا أسأل رجلا عتب عليّ شيئا أبدا، ومثلك أعطى من غير مسألة وجاد من غير طلبة، قال معاوية:
[١] العقد: فإني لا آتيه.
[٢] الصبح: قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا.
[٣] العقد والصبح: تحضين.
[٤] العقد والصبح: وبتر.
[٥] العقد والصبح: والدهر.