الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٦١
حاجة؟ فقلت: نعم- وأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: اللهم! أنت الشاهد عليّ وعليهم، إني لا آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كأنها طرف الجراب فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ من رَبِّكُمْ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ٧: ٨٥ وَلا تَعْثَوْا في الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، ٢: ٦٠ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ١١: ٨٦ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ٦: ١٠٤، فإذا قرأت كتابي هذا فاحفظ بما فيه وبما في يديك من عملنا حتى يقدم [١] عليك من يقبضه منك- والسلام-. ثم دفع الرقعة إليّ، فو الله ما ختمها بطين ولا حزمها بسحاءة، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنا معزولا. فقال معاوية: اكتبوا لها بردّ مالها والعدل في بلدها، فقالت سودة: أهذا لي خاصة أم لقومي عامة؟ فقال معاوية: وما أنت وقومك؟ فقالت سودة: والله! إن هذا هو الفحشاء واللؤم، إن كان هذا منك عدلا شاملا لجميع قومي من همذان حمدت الله على ذلك إذ أجراه على يدي، وإن تكن الأخرى فأنا كسائر قومي، فقال معاوية: يا أهل العراق! لمطيكم والله علي بن أبي طالب على جرأة الأمر [٢] ، أفتبطئ ما تعطون! اكتبوا لها بحاجتها كما تحب وردوها واصرفوها إلى بلدها غير شاكية. قال: فأخذت سودة كتاب معاوية وجائزته وانصرفت غانمة إلى بلدها.
ثم رجعنا إلى الخبر
قال: فلما كان من الغد أقبل أبو هريرة وأبو الدرداء [٣] حتى دخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل علي بن أبي طالب وهو أحق بهذا الأمر منك لسابقته في الدين وفضيلته في الإسلام وهو رجل من المهاجرين الأولين السابقين
[١] العقد الفريد: حتى يأتي من يقبضه منك.
[٢] زيد في بلاغات النساء: «على السلطان، فبطيئا ما تفطمون» وزيد في العقد الفريد: وغركم قوله:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقوله:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سني فتحة الباب
كالهندواني لم تقلل مضاربه ... وجه جميل وقبب غير وجاب
[٣] كذا، وفي الأخبار الطوال ص ١٧٠ والبداية والنهاية ٧/ ٢٨٨ أبو الدرداء وأبو أمامة. وذكر ابن الأثير في أسد الغابة أن أبا الدرداء مات في خلافة عثمان (رض) ، قبل مقتله بسنتين.