الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٧٣
يخوض غمار الموت في مرحجنة ... ينادون في نقع العجاج محمدا
من أصحاب بدر والنضير وخيبر ... وأحد يروّون الصفيح المهنّدا
ويوم حنين جالدوا عن نبيهم ... جموعا من الكفار [١] حتى تبدّدا
فقل لابن هند ما الذي أنت صانع ... أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا
[٢] قال: فبلغ معاوية شعره فهمّ بقتله وقال: قاتله الله! لو أصاب خلف جابلق [٣] مكانا لجاز إليه، قال: فهرب صاحب هذا الشعر في جوف الليل فصار إلى علي رضي الله عنه فكان معه.
قال: ودخل على معاوية من صباح علي وحربه غم شديد وضاق به ذرعا، فجعل يشجع نفسه وهو يقول:
يخوّفني أبو حسن عليّ ... بياض الصبح والوقت الصباح
فأبرق ما استطعت فإن قرني ... حديد لا يفلّله النطاح
ودون الشام قد عاينت طعنا ... وبعد الطعن ضربا أو كفاح
فإن يقصر غيابك لا أطله ... وإن تجمح ففي رأسي جماح
ستأتيكم ململمة طحون ... كركن الطوق مسبلة رداح
تشيب الناهد العذراء منها ... فوارسها بأيديها الرماح
وليس الحرب يخشوه إذا ما ... تعاظمت الأمور ولا الجراح
ويذهب ما بقي منا ومنهم ... وودّوا إننا طحنا وطاحوا
ألم يك في الذي سلفت دليل ... على أن الوعيد هو الرياح
وإنا لم نزل نغدوا عليهم ... ورحنا في مساءتهم وراحوا
تباعا هكذا شهرا وعشرا ... كأنّ دماءنا سيل مباح
فما فلّوا لنا حدّا بحدّ ... وما منا حريم مستباح
إذا عدّوا لهم يوما عددنا ... لنا يوما يفوز به القداح
قال: فلما تقارب الصبح هبت الناس وتحركوا وصهلت الخيل التي عولت من
[١] وقعة صفين: فريقا من الأحزاب.
[٢] القعدد: بضم القاف والدال، الجبان اللئيم القاعد عن الحرب والمكاره.
[٣] جابلق: بأقصى المغرب، ومدينة من رستاق أصبهان (معجم البلدان) .