الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٥٩
ودعوني وربي، فإن صاحبكم مخاصم وإنما تختصم الأخيار فمن فلج فلجت شيعته.
قال: ثم جعل يقول: أيها الناس! هل من رائح إلى الله يطلب الجنة تحت ظلال السيوف والأسنة؟ اليوم لقاء الأحبة محمدا وحزبه. قال: ثم تقدم إلى القوم وجعل يقول [١] :
نحن ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
قال: ثم جعل يكابدهم حملة بعد حملة وهو يقول: يا أهل الشام! والله لو هزمتمونا حتى تبلغوا بنا إلى سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وأنكم على الباطل.
قال: فاختلط [٢] به أصحاب معاوية وحملوا عليه، وحمل عليه ابن الجون السكوني فطعنه طعنة في شراسيفه [٣] ، ورجع إلى أصحابه وهو لما به. فقال:
اسقوني شربة من ماء! قال: فأتاه غلام له يقال له راشد بضياح من لبن، فقال: أبا اليقظان! اشرب هذا اللبن بدل الماء، فلما نظر عمار إلى اللبن كبّر وقال: بهذا أخبرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأن آخر زادي اللبن من الدنيا [٤] . قال: ثم شرب فخرج اللبن من جراحته، فسقط عمار على قفاه ثم تشهد وقضى نحبه- رحمه الله-.
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: قد قتل عمار بن ياسر! فقال معاوية: قتل عمار فكان ماذا؟ فقال: ألا تعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية وإن آخر زادك من الدنيا اللبن» [٥] . فقال معاوية: إنما قتله من جاء به إلى الحرب.
[١] الأرجاز في مروج الذهب ٢/ ٤٢٣ وقعة صفين ص ٣٤١.
[٢] بالأصل: فاختلطوا.
[٣] في مروج الذهب ٢/ ٤٢٣ قتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي. وفي وقعة صفين ص ٣٤١:
حمل عليه ابن جون السكوني وأبو العادية الفزاري، فأما أبو العادية فطعنه، وأما ابن جون فإنه احتز رأسه. (وانظر الكامل لابن الأثير ٢/ ٣٨١) .
[٤] رواه البيهقي في الدلائل ٦/ ٤٢٠ والإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣١٩ والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٨٩.
[٥] رواه البيهقي في الدلائل ٢/ ٥٥٢ والأحاديث بذلك مختلفة الأسانيد والطرق نقلها أيضا في الدلائل ٢/ ٥٤٦ وما بعدها في باب ما أخبر به المصطفى (ص) عند بناء مسجده ثم ظهر صدقه بعد وفاته.
وانظر البداية والنهاية ٧/ ٢٩٧ وما بعدها (من تحقيقنا) .