الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٣٥
قال: ودنا [١] القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا ساعة وارتفع الرهج والقتام ساطعا في السماء، فقال عمرو بن العاص: ويحكم! على من القتام والغبرة؟
فقالوا: على ابنيك محمد وعبد الله، قال: فصاح عمرو بغلامه وردان وقال:
ويحك يا وردان! قرّب إليّ اللواء، فقال له معاوية: ليس على ابنيك بأس فلا تنقض الصف! فقال عمرو: إني ولدتهم ولم تلدهم.
قال: وتقدم وفي يده اللواء وهو يرتجز ويقول:
هل تعنين وردان عني قبّرا ... أو تعنين عن حبيب مسعرا
وابن خديج بيننا والمنذرا ... إني أرى الموت أتاني أحمرا
خالطت جمعا للمسمّى حيدرا
قال: فسمع علي شعره فجعل يرتجز ويقول:
يا عجبا لقد رأيت منكرا ... كذبا على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويغشى البصرا ... ما كان يرضى أحمد لو خيّرا
أن يعدلوا وصيّه والأبترا [٢] ... شاني النبي واللعين الأحورا
كلاهما بجنده قد عسكرا ... قد باع هذا دينه إذ فجّرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا ... بملك مصر إن أصابا ظفرا [٣]
لا تحسبنّي يا بن عاص غمرا [٤] ... سل بي بدرا ثم سل بي خيبرا
كانت قريش يوم بدر جزرا ... إني إذا ما الموت يوما حضرا
أضرمت ناري ودعوت قنبرا ... قدّم لوائي لا تؤخّر حذرا
لن ينفع الحاذر ما قد حذرا ... ولا أخا الحيلة عما قدرا
دعوت همذان وأدعو حميرا ... لو أنّ عندي يوم حرب جعفرا
أو حمزة الليث الهمام الأزهرا ... رأت قريش نجم ليل أنهرا
قال: ثم صاح علي بالأشتر فحمل في أهل الكوفة، وصاح بعبد الله بن عباس
[١] بالأصل: ودنوا. خطأ.
[٢] الأبتر يعني به العاص بن وائل، ولد عمرو، وفيه نزل قوله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ١٠٨: ٣ وكان قد فحش على النبي (ص) بعد وفاة ابنه.
[٣] يشير إلى وعد معاوية لعمرو- إن هما ظفرا- بملك مصر طعمة له.
[٤] بالأصل: «عمرا» تحريف. والغمر بفتح أوله وثانيه من لم يجرب الأمور، القليل الحنكة والخبرة.