الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٠٢
لقينا قبائل أنسابهم ... إلى حضرموت وأهل الجند [١]
فلما تنادوا بآبائهم ... دعونا معدّا ونعم المعد
فظلنا نفلّق هاماتهم ... ولم نك فيها ببيض البلد
ونعم الفوارس يوم الوغى [٢] ... فقل من عديد وقل في عدد
وقل في طعان كفرغ الدلاء ... وضرب عظيم كنار الوقد
ولكن عصفنا بهم عصفة ... وفي الحرب [٣] بشر وفيها نكد
طحنّا الفوارس يوم العجاج ... وسقنا الأراذل [٤] سوق النقد
وقلنا عليّ لنا والد ... ونحن له في ولاة الولد
قال: فاشتد هذا الشعر على معاوية وغمه غما شديدا، ثم إنه جلس ذات يوم وذلك بعد صفين وعنده يومئذ عمرو بن العاص وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم فذكروا هذه القصيدة، فما منهم أحد إلا وشتم أبا الطفيل أقبح الشتيمة، وبلغ ذلك أبا الطفيل فأنشأ يقول:
أيشتمني عمرو ومروان ضلة ... لرأي [٥] ابن هند والشقي سعيد
وحول ابن هند شائعون كأنهم ... إذا ما استقاموا في الحديث قرود
يعضّون من غيظ عليّ أكفّهم ... وذلك غمّ لا أحبّ شديد
وما سبّني إلا ابن هند وإنني ... بتلك التي يشجى بها لرصود
كما بلغت أيام صفّين نفسه ... تراقبه والشامتون شهود
فلم يمنعوه والرماح تنوشه ... وطاعتهم رحب البنان عنود
وطارت لعمرو في الفجاج [٦] شظية ... ومروان من وقع السيوف بعيد
وما لسعيد همة غير نفسه ... وكلّ التي يخشونها ستعود
فتخطؤهم والحرب خطأ كأنهم ... حمام وبازي في الهوى وصيود
[١] الجند: بالتحريك، قسم من أقسام اليمن، وهي من أرض السكاسك بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا.
[٢] وقعة صفين ص ٣١٢: يوم اللقاء.
[٣] وقعة صفين: يمن.
[٤] وقعة صفين: الزعانف.
[٥] وقعة صفين لابن مزاحم: بحكم.
[٦] عن وقعة صفين ص ٣١٣، وبالأصل: العجاجة.