نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢ - جمع الآيات وتفسيرها
الأعمال التي تختص بكل فرد، بل هو كتاب عمل عام، فهذا اللوح بمنزلة سجل عام تحصى فيه جميع أعمال الناس، وسوف نوضح هذا الكلام في موضوع (تعدد صحف الأعمال).
عبارة (مبين) إشارة إلى ذكر اللوح المحفوظ وصحيفة الأعمال لجميع الأعمال نظراً لأنّه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الأعمال الصالحة أو السيئة إلّاأحصاها.
ولقد جاء في روايات متعددة أنّ المراد من (الإمام المبين) هو الإمام المعصوم الذي يبيّن جميع الحقائق بأمر اللَّه تعالى وبتعليم من الرسول صلى الله عليه و آله، وفي هذا الصدد ورد حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير على بن إبراهيم عليه السلام قال: «أنا واللَّه الإمام المبين! أُبيّن الحق من الباطل، ورثته من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله» [١].
ومن خلال هذه التفاسير يتبيّن أنّ للإمام المبين مفهوماً واسعاً فكما يشير ظاهرهُ إلى كتاب الأعمال الذي يدون جميع أعمال الناس كذلك يشير باطنه إلى الإمام المعصوم الذي يُبيّن الحق من الباطل من خلال العلم الذي يرثه عن الرسول صلى الله عليه و آله.
ولقد أشارت الآية الثانية إلى هذا المعنى بصراحة أكثر: «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الُمجْرِمِينَ مُشفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا» فهل أنّ هذا الكتاب هو كتاب أعمال الناس الذي أشارت إليه الآيةُ الاولى؟ أم أنّه كتاب أعمال كل امةٍ أو كتاب أعمال كل إنسان؟ (وذلك- وكما سنوضح ذلك في البحوث المقبلة إن شاء اللَّه- أنّ هذه الأنواع الثلاثة من كتب الأعمال.. أخذت من آيات القرآن الكريم).
فالاحتمالات الثلاثة ممكنة في تفسير هذه الآية ولو أنّ من الممكن أن يكون ذكر (الكتاب) بصورة المفرد إشارة إلى كتاب أعمال جميع الناس، ويستفاد من الآية الكريمة أنّ هذا الكتاب يعرض جميع جزئيات أعمال الإنسان الصالحة والسيئة، الكبيرة والصغيرة، حتى أنّ أصحابها يصيبهم الوجل والخوف من أعمالهم، وسبب وجلهم يعود إلى حضورهم
[١]. تفسير علي بن إبراهيم، ج ٢، ص ٢١٢.