نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥١ - جنّة أم جنان؟
وردت كلمة «جنات عدن» احدى عشرة مرّة في القرآن الكريم [١] وهذا التكرار يفيد الأهميّة في المواصفات المتعلّقة بالجنّة.
و «الجنّات»: جمع (جنّة) وهي الحدائق الكثيرة في الجنّة، و «عدن» تعني في الأصل الإقامة حسب ماذكر صاحب «مقاييس اللغة» أو بمعنى الثبات والاستقرار حسب ماأفاد به كتاب المفردات، وهذا يتضمن إشارة إلى خلود الجنّة، لا إلى حدائق هذه الدنيا التي تتعرض أشجارها لتساقط الأوراق في فصل الخريف وقد تيبس وتموت بعد عدّة سنوات، وقد تنقطع عنها مصادر المياه، أو قد تتعرض ثمارها للآفات أو تجف جذوعها من الداخل أو قد تقضي عليها الرياح الحارّة اللاهبة أو القارصة، بل وقد تتعرض للصواعق فتتحول إلى رماد، وخلاصة القول أنّها عرضة لألف آفة وبلاء بينما أشجار الجنّة باقية دوماً وحدائقها خضراء غنّاء لا يعتريها اليبس ولا المرض ولا تساقط الأوراق أو الذبول.
قال بعض المفسرين: إنّ المقصود من (جنّات عدن) وسط الجنّة، وهي في الحقيقة جنّة من جنانها إلّاأنّ لها من السعة ما يجعل كل جزء من اجزائها وكأنّه جنّة قائمة بذاتها وقد ذُكرت على هيئة الجمع [٢]، لكن التأمل فيما سبق من القول يجعل مثل هذا المعنى بعيداً.
وأبرزت الآية الثالثة نفس هذا المعنى ولكن بعبارات اخرى؛ فهي تقول: «امَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُم جَنَّاتُ المَأوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ».
«المأوى»: مشتقة من كلمة «اوِيّ» على وزن (قويّ)، قال الراغب في المفردات: إنّها تعني انضمام الشي إلى شيء آخر (ثم أصبحت تعني الإقامة عند الشيء).
وقال صاحب مقاييس اللغة: إنّ أحد معانيها هو «التَجمُّع» وهذا يستلزم السكن عند الشيء، والمأوى يعني باختصار: المكان والمسكن والمقر الذي يسكنه الإنسان ليلًا أو نهاراً ويستريح فيه، وعلى هذا ف «جنّات المأوى» تشير إلى الخلود والدوام والاستقرار في الجنّة
[١]. في سور، التوبة، ٧٢؛ الرعد، ٢٣؛ النحل، ٣١؛ الكهف، ٣١؛ مريم، ٦١؛ طه، ٦٧؛ فاطر، ٣٣؛ ص، ٥٠؛ غافر، ٨؛ الصف، ١٢؛ البّينة، ٨.
[٢]. تفسير مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٦٧؛ وتفسير القرطبي، ج ٦ ص ٤٠١٣.