نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - نفخة الموت ونفخة الحياة!
يقول الفخر الرازي في تفسيره: واختلفوا في لمّية هذه التسمية على وجوه:
أحدها: إنّ سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق.
وثانيها: إنّ الأجرام العلوية والسفلية تصطدم مع بعضها بشدّة عند تخريب العالم، فيحدث على أثر هذا الاصطدام تلك القرعة فسميت القيامة بالقارعة.
وثالثها: إنّ القارعة هي التي تقرع قلوب الناس بالأهوال والخوف.
ورابعها: إنّها تقرع أعداء اللَّه بالعذاب والخزي والنكال. [١]
ولكن الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات تدلل على أنّ هذا التعبير ناظر إلى النفخة الاولى، وهي النفخة التي ترعب جميع الناس ثم تهلكهم وتخرب الجبال، ولقد ذكرت في تعقيب هذا الموضوع حوادث القيامة كتسلسل طبيعي.
على أيّة حال، فإنّ التعبير أعلاه إمّا أنّه يشير إلى نفخة الصور الاولى أو أنّ النفخة الاولى جزء منها، وإمّا أن يكون قد أشار إلى النفخة الثانية، وهذا ما لا يتوافق مع سياق الآيات، فمن المستبعد جدّاً أن تكون الآية: «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» قد أشارت إلى النفخة الثانية والآية التي بعدها: «وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» أشارت إلى النفخة الاولى.
أمّا الآية الثامنة عشرة فنلاحظ فيها تعبيراً جديداً آخر ألا وهو (الزجرة) أو (الصيحة العظيمة)، في جواب من يعجب من رجوع الحياة بعد الموت، إذ تقول الآية لا تعجبوا فذلك ليس بالعسير: «فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ».
«زجرة»: في الأصل بمعنى الطرد وبصوت مرتفع، مثل طرد الإبل، وتأتي بمعنى الصيحة من قولك زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها فريعت لصوته [٢].
وفي كشاف الزمخشري، زجره يزجره، إذا صاح بمنعه ثم استعملت بمعنى الطراد، وترد أحياناً بمعنى الصوت.
و جملة (ينظرون) ربّما تعني النظر بحيرة من شدّة الخوف أو نظر أحدهم إلى الآخر أو انتظار الحكم النهائي.
[١]. تفسير الكبير، ج ٣٢، ص ٧٠.
[٢]. راجع مقاييس اللغة والمفردات للراغب، مادة (زجر).