نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - جنّة أم جنان؟
أمّا هل أنَ «جنّات النعيم» تشمل كل الجنّة أم تُشير إلى بقع مهمّة منها؟ فهنالك احتمالان، فمن جهة، قد يكون الوعد الإلهي للمقّربين دليلًا على الاحتمال الثاني لاسيما وأن تعبيراً مشابهاً لهذا قد ورد في من نفس هذه السورة: «فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ* فَرَوحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ». (الواقعة/ ٨٨- ٨٩)
المجموعة السادسة والأخيرة من هذه الآيات تشير باختصار إلى أربع روضات من رياض الجنّة مع عدة خصائص، كل اثنين منهما على حدة، إذ قال الكتاب الكريم: «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» «ذَوَاتَا أَفْنَانِ» «وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ» «مُدْهَامَّتَانِ».
كانوا يتصوّرون أنّ هذه الحدائق الأربع كلها لجميع المؤمنين، وهذا التعدد من أجل إيجاد التنوع لأنّ طبيعة الإنسان تميل إلى التنوّع، لكن لهجة الآيات وكذلك الروايات الواردة في تفسيرها تظهر لنا بوضوح أنّها- أيتلك الحدائق- من نصيب فئتين مختلفتين وعبارة «من دونهما» تعطي معنى الأدنى، وعلى هذا الترتيب فروضتان من رياض الجنّة من نصيب «المقّربين» واثنان أدنى منهما من نصيب «أصحاب اليمين» وهذا في الحقيقة إشارة إلى درجات ومراتب أهل الجنّة، وهذا ما ينبغي أن يكون وذلك لأنّ أهل الجنّة ليسوا على سواء في المرتبة والدرجة.
لقد وصف النبي صلى الله عليه و آله هذا الاختلاف بعبارات جميلة في حديث ورد عنه إذ قال: «جنّتان من فِضّة آنيتهما وما فيهما، جنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» [١].
وورد نفس هذا المعنى في حديث أكثر صراحة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «لا تقولَنَّ واحدة إنّ اللَّه يقول: ومن دونهما جنّتان، ولا تقولن درجة واحدة إنّ اللَّه يقول:
درجات بعضها فوق بعض، وإنّما تفاضل القوم بالأعمال» [٢].
[١]. تفسير مجمع البيان، ج ٩، ١٠، ص ٢١٠.
[٢]. المصدر السابق.