نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٤ - جمع الآيات وتفسيرها
تستعرض هذه الآيات أوصافاً مثيرة حول شدّة عذاب جهنّم إذ يُقال لمنكري هذه المحكمة الإلهيّة الكبرى والمحملين بشتّى المعاصي والذنوب:
أولا: انطلقوا إلى ظل؛ ولكن أي ظل؟ الظل الناتج عن الدخان الخانق المنقسم إلى ثلاث شعب، شعبة منها فوق الرأس والأخرى عن اليمين والثالثة عن الشمال، وهو باختصار ظل قاتل يحيط بهم من كل صوب، ظل لا كظلال الأشجار الهادئة في الجنّة، أو ظلال السقوف والقصور، بل إنّه ظل حارق لشدّة حرارته.
ثانياً: إنّ لهذا الظل ثلاث شُعَب مليئة بالشرر المتطاير وكل شرارة فيه عظيمة بحجم القصر، أو كالجمال الصفراء المسرعة نحو كل صوب، يا له من مكان، إن كان ظلّه هكذا فكيف بناره؟!
ويالها من عبارات مرعبة ودقيقة، فالناس يهربون عادة من الحرارة إلى الظل، بينما لا ظل هناك سوى ظل الدخان الذي تنبعث منه النيران، وإذا كان تصّور مثل هذا الدخان صعباً في أيّام نزول هذه الآيات، فساحات الحروب الإجرامية اليوم وما يُلقى فيها من قنابل تُغطّي كل شيء بالدخان والنّار فيها قد تكون صورة مصغّرة لذلك العذاب الأكبر، إضافة إلى وجود شرر كبير الحجم وشواظ من نار تتطاير في مساحات واسعة، وهذا كله في ظلال تلك النّار [١].
وقد تكون كلمة «القصر» إشارة إلى قصور الظالمين، ولعل تشبيه شرر جهنّم بها، أي بتلك القصور التي تؤجج النيران دوماً في قلوب المحرومين، يعكس معنىً عميقاً ودقيقاً، وكذلك التشبيه بالجمال الصفر ذات النمط الواحد فهو رمز لثروة المستكبرين، وهو أيضاً تعبير آخر ذو مغزىً عميق في هذا السياق.
وقد يتوهّم البعض أن تشبيه الشرر بالقصر حيناً وبالجمال الصفر حيناً آخر يبدو غير
[١]. يعتقد البعض أنّ الضمير في «إنّها» يعود إلى «النّار» وهو مؤنث مجازي، ورغم عدم ذكر النّار في الآية إلّاأنّه يمكن الاستدلال عليها بقرينة ظل الدخان، ولكن الأفضل هو ارجاع الضمير إلى الظل ذي الثلاث شعب وهو الظل الخانق لأنّ الهدف هو الاطلاع على الآثار القاتلة لهذا الظل حتّى يتّضح موضوع النّار بطريق أوْلى.