نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - شهود المحشر
ولكن الكثير من المفسرين قالوا: (هؤلاء) إشارة إلى الأنبياء الذين أشارت إليهم الجملة السابقة، وبهذا سيكون الرسول صلى الله عليه و آله هو الشاهد على جميع الشهود.
ويطرح هنا هذا السؤال: وهو كيف تكون شهادة الأنبياء عليهم السلام على اممهم أو شهادة الرسول صلى الله عليه و آله على الأنبياء مع العلم أنّ معنى الشهود مقترن مع الحضور، وأنّ كل نبي من الأنبياء وبضمنهم الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله جاؤوا في مقطع زمني محدد من تاريخ اممهم؟
من الممكن أن يكون المعنى أنّ أرواحهم في عالم البرزخ ناظرة إلى أحوال اممهم وهذا ينافي قوله تعالى في الآية التي تتكلم عن لسان المسيح عليه السلام: «وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّادُمتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ»، (المائدة/ ١١٧)
فيتضح من خلال هذه الآية الكريمة أنّ الشهادة تعني الحضور المقترن بالرقابة والتصدي للانحراف وليس بالحضور فقط، أمّا فيما يتعلق بالرسول الأكرم صلى الله عليه و آله فمن الممكن أن يكون حضور روحه المقدّسة على طول تاريخ البشرية هو السبب لهذه الشهادة كما ورد في الروايات أنّ أول ماخلق اللَّه تعالى نور محمد صلى الله عليه و آله.
عن علي عليه السلام: «إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه و آله قبل أن يخلق السموات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنّة والنّار» [١].
وهناك احتمال آخر في معنى الشهادة وهو مقياس الوزن، وذلك لأنّ الإنسان النموذجي يمكن أن يكون بعمله شاهداً على أعمال الصالحين (الأشخاص الذين تشبه أعمالهم أعمال القدوة) وكذلك شاهداً على أعمال الطالحين، وبهذا المعنى لا ينحصر مفهوم الآية بشهود القيامة.
ومن المناسب أن نذكر حديثاً للرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في هذا الصدد، فقد روي أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال لابن مسعود: «اقرأ القرآن عليّ» قال: قلت: يارسول اللَّه أنت الذي علمتنيه.
قال: «أحبّ أن أسمعه من غيري». قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء حتى انتهيت إلى هذه الآية فبكى الرسول صلى الله عليه و آله. قال ابن مسعود: فامسكت عن القراءة [٢].
[١] بحارالأنوار، ج ١٥، ص ٤.
[٢] التفسير الكبير، ج ١٠، ص ١٠٥.