بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨١ - ١ ـ حكم التحكيم في حرب صفّين
قال : اتّضحت معالم المسألة واضحة ، وبدا لكل ذي عينين أنّ التحكيم لم يكن سوى خديعة لم يبغ من طلبها سوى العدول عن الطريق السوي ، وصحّ كل ما توقّعه علي بن أبي طالب حتى حقّ له أن يقول وقد وقع ما وقع : « أما أنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس ، وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عَلَيّ » [١].
أفيصحّ بعد هذا ، قوله إنّ الأنصار أتوني بأبي موسى فقالوا : ابعث هذا فقد رضيناه ولا نريد سواه؟! مع أنّه لم يرده أبداً وإنّما فرض عليه من فرض.
ب ـ إنّ الكّتاب الجدد لمّا واجهوا أنّ التحكيم سيّئة من سيّئات المحكّمة واّنّهم هم المسؤولون عن عواقبه الوبيلة ، عمدوا إلى الروايات الشاذّة ومخالقات أعداء الإمام. قالوا : إنّ عليّاً ظلّ يكاتب معاوية سرّاً من دون المسلمين ، فكتب إلى معاوية : من عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية ، فكتب إليه معاوية : لو أعلم أنّك أمير المؤمنين لم اُقاتلك ، فامح اسم أمير المؤمنين ، ففعل علي ذلك فبلغ ذلك المسلمين ، فقالوا له : يا علي ما حملك أن تخلع نفسك من اسم سمّاك به المسلمون؟ ألست أمير المؤمنين ومعاوية أمير المخالفين؟ فتب عمّا صنعت ... ، ثمّ إنّهم يذكرون أنّه بعد أن تاب عدل عن توبته وامضى الحكومة أي التحكيم [٢].
إنّ ما ذكره من المكاتبة السرّية ليس له مسحة من الحقّ ولا لمسة من الصدق ولا يوجد في كتب القصاصين فضلاً عن التواريخ والسير ، وما ذكره ليس إلاّ قصة التحكيم الّذي شهد عليه الطرفان على وجه التفصيل ، والإمام امتنع عن
[١] صالح بن أحمد الصوافي : الإمام جابر بن زيد : ١٠٢ نقلاً عن الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١١٩.
[٢] صالح بن أحمد الصوافي : الإمام جابر بن زيد : ١١٢ نقلاً عن القلهاتي : الكشف والبيان : ٢ / ٢٣٧.