بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٥ - إلى عبدالملك بن مروان
من أمر الله بمعصيته. أن نطيعه فهذا الذي أدركنا عليه نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم. وإنّ هذه الاُمّة لم تحرّم حراماً ولم تسفك دماءً إلاّ حين تركوا كتاب ربّهم الذي أمرهم أن يعتصموا به ، ويأمنوا عليه ، وانّهم لايزالون مفترقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب الله وسنّة نبيّه ، وينتصحوا كتاب الله على أنفسهم ، ويحكّموه إلى ما اختلفوا فيه. فإنّ الله يقول : ( وما اخْتَلَفْتُمْ فِيِه مِنْ شَيء فَحُكْمُهُ إلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ والَيْهِ أُنيبُ ) [١]. وإنّ هذا هو السبيل الواضح لايشبّه به شيء من السبل ، وهو الذي هدى الله به من كان قبلنا ، محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم والخليفتين الصالحين من بعده ، فلايضلّ من اتّبعه ولايهتدي من تركه ، وقال : ( وانَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوهُ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيِلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [٢]. فاحذر أن تفرّق بك السبل عن سبيله ، ويزّين لك الضلالة باتّباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال ، فإنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، إنّما هي الأهواء والدين. إنّما يتبع الناس في الدنيا والآخرة إمامين ، إمام هدى ، وإمام ضلالة. أمّا إمام الهدى فهو يحكم بما أنزل الله ويقسم بقسمه ويتبع كتاب الله ، وهم الذين قال الله : ( وجعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ) [٣] وهؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمرالله بطاعتهم ، ونهى عن معصيتهم. وأمّا إمام الضلالة فهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله ويقسم بغير ما قسم الله ، ويتبع هواه بغير سنّة من الله فذلك كفر كما سمّى الله ، ونهى عن طاعتهم وأمر بجهادهم ، وقال : ( فَلا تُطِعِ الكافِرينَ وجاهِدَهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيرا ) [٤].
[١] الشورى : ١٠.
[٢] الأنعام : ١٥٣.
[٣] السجدة : ٢٤.
[٤] الفرقان : ٥٢.