الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣ - الجهة الأُولى الإيمان لغة واصطلاحاً
أعلن بلسانه شهادة فإنّه عندهم مسلم محكوم له بحكم الاِسلام، أضف إليهم
قول رسول الله في السوداء: "اعتقها فإنّها موَمنة[١].
يلاحظ عليه: أنّ الحكم عليه بالاِيمان لاَجل كون الاِقرار باللسان طريقاً
وذريعة إلى فهم باطنه وتصديق قلبه، وأمّا لو علم عدم مطابقة اللسان مع الجنان
فيحكم عليه بالنفاق، قال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَومِ الآخِرِ
وما هُمْ بِمُوَْمِنِينَ) (البقرة ـ ٨). ولمّا كان الرسول وأصحابه مأمورين بالحكم
بحسب الظاهر، أُمروا بالقتال إلى أن يشهدوا بتوحيده سبحانه كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ
:
"أُمِرْت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويوَمنوا بما أُرسلت به، فإذاً
عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله " وبذلك يظهر وجه
حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ
في السوداء "بأنّها موَمنة[٢](" روى ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه
قال: رُبّ رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسم ـ
"إنّى لم أُبعث لاَشُقّ عن
قلوب الناس".
وأمّا الثاني: أي كون الاِيمان هو التصديق القلبي وإن أظهر الكفر بلسانه
الذي نسب إلى جهم بن صفوان: فقد استدل بما مرّ من الآيات عند البحث في
تفسير الاِيمان لغة، قال سبحانه: (ومَا أنْتَ بِمُوَْمِنٍ لَنا )(يوسف ـ ١٧) وقوله
تعالى: (وامنَ لَهُ لُوط )(العنكبوت ـ ٢٦) مضافاً بأنّ القرآن نزل بلسان عربيّ مبين
وخاطبنا الله بلغة العرب وهو في اللغة التصديق والعمل بالجوارح لا يُسمّى
إيماناً.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دليل على خروج العمل عن حقيقة الاِيمان، وأمّا
كونه نفس التصديق القلبي فلا يثبته، كيف وقد دلّت بعض الآيات على أنّ من
جَحَدَ لساناً أو عملاً وإن استيقن قلباً فهو ليس بموَمن، بل هو من الكافرين،
يقول سبحانه: (وجَحَدوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوّاً فانْظُرْ كَيْفَ كانَ
[١] ابن حزم: الفصل: ٣|١٩٠.
[٢] ابن حزم: الفصل: ٢|٢٠٦، وسيوافيك تخريج الحديث.