الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩ - الجهة الثانية في أنّ العمل جزء من الإيمان وعدمه
ولاَجل ذلك صلّى عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسم) عندما بلغته وفاته.
هذا هو مقتضى الكتاب ويوَيده الاِجماع، حيث جعلوا الاِيمان شرطاً
لصحة العبادات ولا يكون الشيء شرطاً لصحة جزئه.
وأمّا السنّة فهي تعاضد أيضاً هذه النظرية.
أخرج البخاري في كتاب الاِيمان ومسلم في باب فضائل علي ـ عليه
السلام ـ أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) يوم خيبر: "لاَُعطينَّ هذه الراية رجلاً يحبُّ الله
ورسوله يفتح الله على يديه".
قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الامارة إلاّ يومئذ، قال: فتساورْتُ لها
رجاء أن أُدعى إليها، قال فدَعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها،
وقال: "إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار (علىّ) شيئاً ثم وقف ولم
يلتفت وصرخ: "يا رسـول الله على ماذا أُقاتل النّاس" ؟
قال: (صلى الله عليه وآله وسم) : "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ،
فإذا فعلوا ذلك فقد مَنعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على
الله".[١]
روى الشافعي في كتاب "الاَُم" عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) قال: "لا
أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله ، فقد عصموا
منّى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله ".
قال الشافعي: فأعْلَمَ رسول الله : إنّ فرض الله أن يقاتلهم حتى يظهروا أن
لا إله إلاّ الله ، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، يعنى بما يحكم الله
عليهم فيها وحسابهم على الله بصدقهم وكذبهم وسرائرهم، الله العالم
بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم دون أنبيائه وحكّام خلقه، وبذلك مضت
أحكام رسول الله فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، وأعلمهم أنّ جميع
[١] البخاري: الصحيـح: ١|١٠، كتاب الاِيمان، وصحيـح مسلم: ٧|١٧، باب فضائل علي ـ عليه السلام ـ.