الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١ - الجهة الثانية في أنّ العمل جزء من الإيمان وعدمه
ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا، فإنّ للنجاة في الحياة الاَُخروية شرائط
أُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم والسنّة الكريمة.
وبذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني
واستغنوا عن العمل، وبعبارة أُخرى قدّموا الاِيمان وأخّروا العمل، فهذه الطائفة
من أكثر الطوائف خطراً على الاِسلام وأهله، لاَنّهم بإذاعة هذا التفكير بين
الشباب، يدعونهم إلى الاِباحية والتجرّد عن الاَخلاق والمثل العليا ويعتقدون أنّ
الوعيد خاص بالكفار دون الموَمنين، فالجحيم ونارها ولهيبها لهم دون
المسلمين، ومعنى أنّه يكفي في النجاة الاِيمان المجرّد عن العمل، وأىّ خطر
أعظم من ذلك؟
وعلى ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: قال
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسم) : "شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة والحج وصوم شهر رمضان" [١]فإنّ المراد من الاِسلام، ليس هو
الاِسلام المقابل للاِيمان في قوله سبحانه: (قَالَتِ الاَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا
ولكنْ قُولُوا أسلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الاِيمانُ في قُلُوبِكُمْ )(الحجرات ـ ١٤) ولا
الاِسلام والاِيمان بأقلّ درجاتهما الذي له أحكام خاصة، بل الاِيمان المُنْجي
لصاحبه من العذاب الاَليم، وهذا لا يضرّ بما قلنا من أنّ مقوّم الاِيمان، هو العقيدة
القلبية وذلك لاَنّ المقصود هناك من الاكتفاء بالتصديق بشرط الاِقرار هو الاِيمان
الذي يصون دم المقر وماله وعرضه، لا الاِيمان المنجي في الآخرة، إذ هو كما في
الرواية يتوقّف على العمل. وإليه ينظر ما روي عن الاِمام الصادق من أنّ الاِسلام
يحقن به الدم وتوَدّي به الاَمانة، ويستحلّ به الفرج، والثواب على الاِيمان .[٢]
وحصيلة الكلام: أنّ كون التصديق القلبي مقياساً للاِيمان، غير القول بأنّ
[١] البخاري: الصحيح: ١|٦، كتاب الاِيمان، الباب الثاني، ولاحظ أيضاً ص١٦ باب أداء الخمس.
[٢] البرقي: المحاسن: ١|٢٨٥.