الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٠ - حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في ضوء الكتاب والسنّة
قوله سبحانه: (ورافعك إلىَّ )شاهد على أنّ المراد هو الثالث فيكون المتبادر من
الآية هو: إنّي آخذك وقابضك بين الناس ورافعك إلىَّ. فتصير الآية دليلاً على
رفع المسيح حياً. لا إماتته ورفعه كما يتعاطاه المستدلّ حيث جعل ما هو ظاهر ـ
بعد الاِمعان ـ في رفعه حياً، دليلاً على الاِماتة، وما هذا إلاّ لاَنّه اتّخذ رأيا مسبّقاً في
حقّ المسيح، فساقه الرأي إلى تفسير الآية بخلاف ظاهرها.
ومـمّن تفطّن لهذا المعنى، هو ابن جرير في تفسيره حيث قال: وقال
آخرون: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض فرافعك إلىّ. قالوا: ومعنى الوفاة:
القبض، كما يقال: تَوَفّيت من فلان مالي عليه، بمعنى قبضته واستوفيته، قالوا:
فمعنى قوله: إنّي متوفّيك ورافعك: أي قابضك من الاَرض حياً إلى جوارى
واخذك إلى ما عندي بغير موت ورافعك من بين المشركين. ـ ثم إنّه بعد ما ذكر
وجوهاً في تفسير الآية ـ قال: قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الاَقوال بالصحة
عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الاَرض ورافعك إلىّ، لتواتر
الاَخبار عن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" أنّه ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجّال ثم يمكث
في الاَرض مدّة [١].
ومـمّن نبّه بذلك واستعرض الموضوع عرضاً تحقيقيّاً العلاّمة البلاغي ـ
قدّس سرّه ـ [٢] .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الوجهين اللّذين نقلهما المراغي من
المفسّـرين حول اللفظين "متوفّيك" و"رافعك"، ومبنى الوجهين كون التوفي
بمعنى الاِماتة على ما اخترناه.
١ـ "إنّ فيهـا تقديماً وتأخيـراً، والاَصل: إنّي رافعـك إلىَّ ومتوفّيك، أي إنّى
رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك، وعلى هذا
[١] لاحـظ تفسير الطبري: ٣|٢٠٣، وتفسير الرازي: ٢|٤٨١، ط مصر. وتفسير ابن كثير: ١|٣٦٦، نقلاً عن قتادة. وتفسير النيشابوري، (المطبوع بهامش الطبري) : ٣|٢٠٧.
[٢] آلاء الرحمان: ١|٣٣ ـ ٣٥ في مقدمات تفسيره.