الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٥ - هل التفسير الإشاري من قبيل التفسير بالرأي ؟
ولايخفى أنّ الاستدلال بهذه الآيات غير تام جداً فإنّها تدعو إلى التدبر في
نفس المفاهيم المستفادة من ظاهر الآيات وكون القرآن عربياً، وكون القوم عرباً
لا يكفي في فهم القرآن الكريم من دون التدبر والاِمعان فهل يكفي كون القوم
عرباً في فهم مغزى قوله سبحانه: (هُوَ الاَوّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكلّ
شَيءٍ عَلِيم)[١].
أو في فهم قوله سبحانه:(وَما كَانَ مَعهُ مِن إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِما خلَقَ
ولَعَلا بَعضُهُم عَلى بَعضٍ سُبحانَ اللهِ عَمّا يَصفون )[٢].
أو فهم قوله سبحانه:(لَو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسدَتا فَسُبحانَ اللهِ ربّ
العَرشِ عَمّا يَصِفُون)[٣].
فالدعوة إلى التدبر لا يدلّ على أنّ للقران وراء ما تفيده ظواهره بطناً.
أضف إلى ذلك أنّه يمكن أن يكون الاَمر بالتدبر هو تطبيق العمل على ما
يفهمونه من القرآن فربَّ ناصح يُدلى بكلام فيه نصيحة الاَهل والولد، ولكنّهم
إذا لم يطبقوا عملهم على قول ناصحهم يعود الناصح إليهم، ويقول: لماذا لا
تتدبرون في كلامى؟ لماذا لاتعقلون؟ مشعراً بذلك أنّكم ما وصلتم إلى ما
أدعوكم إليه وإلاّ لتركتم أعمالكم القبيحة وصرتم عاملين بما أدعو إليه.
وأمّا ما روى عن النبي الاَكرم "صلى الله عليه وآله وسلم " بأنّ للقرآن بطناً وظهراً فالحديث فيه ذو
شجون وأنّه يحتمل وجوهاً على نحو مانعة الخلو.
١ ـ المقصود من البطن هو أنّ ما ورد في القرآن حول الاَقوام والاَُمم من
القصص، وما أصابهم من النعم والنقم، لاينحصر على أُولئك الاَقوام، بل هؤلاء
[١] الحديد: ٣ .
[٢] المؤمنون: ٩١ .
[٣] الاَنبياء: ٢٢ .