الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٥ - حياة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في ضوء الكتاب والسنّة
وبعبارة أُخرى: أنّ مقتضى الاضراب في الآية (بل رفعه الله إليه )هو تعلّق
الرفع ببدنه الحي وشخصه الماثل، حتى يصح كونه رداً على زعم اليهود: "إنّهم
صلبوه وقتلوه"، لاَنّ القتل والصلب إنّما يتعلّقان بالبدن ولو فسّـر بإعلاء المقام لا
يكون رداً لدعوى القتل والصلب، ويكون جملة منقطعة الصلة عن زعم اليهود،
فلا تكون الحكاية عن إعلاء المقام رداً على الخصم، إلاّ إذا فسر برفع المسيح
بشخصيته الخارجية الحيّة حتى يكون تكذيباً لمقالة اليهود وادّعائهم.
أضف إلى ذلك أنّ رفع روحه أو إعلاء درجته، وإبقاء جسده بين الاَعداء،
نوع تسليط لهم عليه، لا إنجاء له من أيديهم، وهذا لا يوافق سياق الآية لاَنّه
بصدد بيان أنّه سبحانه أنجاه وخلّصه من أيديهم، وعند ذلك يتطابق مفاد هذه
الآية مع مفاد الآية السابقة القائلة: (إنّي متوفّيك ورافعك إلى )لما عرفت أنّ
"التوفّى" هناك ليس بمعنى الاِماتة، بل بمعنى الاَخذ ويكون مفاده مطابقاً لما
يستفاد من هذه الآية بأنّ المسيح رفع بشخصيته الخارجية. نعم الآية تدلّ على
رفعه حياً وأمّا بقاوَه كذلك لحد الآن فلا يستفاد من الآية بل لابد من التماس دليل
آخر.
تفسير الآية الثالثة:
وأمّا الآية الثالثة: (ما قُلتُ لَـهُمْ إلاّ ما أمَرْتنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ
وَكُنْتُ عَلَيْهِم شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّـا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ
عَلَى كُلّ شيْءٍ شَهِيد )[١].
فلا إشكال في أنّ ظرف المحاورة بين الله وعيسى هو يوم القيامة بدليل
قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ )[٢] وأمّا التوفّي فيها فقد عرفت أنّه
[١] سورة المائدة: الآية ١١٧.
[٢] سورة المائدة: الآية ١١٩.