الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٥ - ٢٢ تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم
عملهم شركاً ويُعدّ عمل غيرهم شركاً وضلالاً ومحاربة للإسلام؟!
إنّ المنع عن تعظيم الأنبياء والأولياء وتكريمهم ـ أحياء وأمواتاً ـ يصوّر الإسلام في نظر الأعداء ديناً جامداً لا مكانة فيه للعواطف الإنسانية، كما يصوّر تلك الشريعة السمحاء المطابقة للفطرة الإنسانية شريعة تعتقد الجاذبية المطلوبة القادرة على اجتذاب أهل الملل الأُخرى واكتسابهم.
وماذا يقول الذين يخالفون إقامة مجالس العزاء للشهداء في سبيل اللّه في قصة يعقوب ـ عليه السَّلام ـ الذي بكى على ابنه حتى ابيضّت عيناه من الحزن؟! وماذا يكون ياترى حكم النجديين وأتباع محمد بن عبد الوهاب لو كان النبي يعقوب ـ عليه السَّلام ـ يعيش في أوساطهم فعلاً؟! وبماذا يصفون حزنه وبكاءه على ولده يوسف ـ عليه السَّلام ـ ؟! إنّه ـ عليه السَّلام ـ بكى ولده ليلاً ونهاراً، وسأل عنه القريب والبعيد والقاصي والداني وحثّ الجميع للبحث عنه وتقصّي أخباره، ولقد وصف لنا القرآن الكريم شدّة حزنه وتحرّقه على ولده وذهاب بصره بقوله تعالى: (وابيضّت عَيناهُ مِنَ الحُزن...).[١]
إنّ ذهاب بصر يعقوب ـ عليه السَّلام ـ ومرضه لم يؤديا إلى نسيان يوسف فحسب، بل كلّما اقتربت ساعة اللقاء كلّما اشتدّت شعلة العشق والشوق في قلب الشيخ الكبير لولده العزيز، ولذا نرى القرآن الكريم يصف لنا تلك الحالة بأروع وصف، حيث أشار إلى أنّ يعقوب ـ عليه السَّلام ـ قد أحسّ بريح يوسف وشمّ عطره المبارك، ومازالت القافلة التي تحمل قميصه ـ عليه السَّلام ـ تبعد عن يعقوب ـ عليه السَّلام ـ عدّة فراسخ(إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف لَولا أَن تُفندون).[٢]
[١] يوسف:٨٤.
[٢] يوسف:٩٤.