قصص الأنبياء - ابن كثير - الصفحة ٢٨
وهو ضرب من الحيات يقال [ له ] الجان والجنان، وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا، فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة. فلما عاينها موسى عليه السلام " ولى مدبرا " أي هاربا منها، لان طبيعته البشرية [١] تقتضي ذلك " ولم يعقب " أي ولم يلتفت، فناداه ربه قائلا له: " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ". فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها " قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى " فيقال إنه هابها شديدا، فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها. وعند أهل الكتاب: أمسك بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين ! ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء، أي من غير برص ولا بهق، ولهذا قال: " اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب " قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. وهذا وإن كان خاصا به، إلا أن بركة الايمان به حق بأن [٢] ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالانبياء. وقال في سورة النمل: " وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، في تسع آيات إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قوما فاسقين "
[١] ا: لان طبيعة البشر تقتضي ذلك.
[٢] ا: إلا بأن. (*)