مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء - المحلاتي، الشيخ ذبيح الله - الصفحة ٢٥٩ - المدفونون في سامرّاء القديمة ونواحيها من العلماء والأعيان
أدركني ذهني ، فقلت للخيّاط : هل هو ممّن يشرب النبيذ؟ فقال : نعم وأحسب عنده اليوم دعوة وليس ينادم إلّا تجّارا مثله مستورين.
فبينما أنا كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رائس الدرب ، فقال الخيّاط : هؤلاء منادموه ، فقلت : ما اسمائهما وما كناهما؟ فقال : فلان وفلان وأخبرني بكناهما ، فحرّكت دابّتي وداخلتهما وقلت : جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان وسايرتهما حتّى أتينا إلى الباب ، فأجّلاني وقدّماني فدخلت ودخلا ، فلمّا رآني معهما صاحب المنزل لم يشكّ أنّي منهما بسبيل أو قادم قدّمت عليهما من موضع فرحّب بي وأجلسني في أفضل المواضع ، فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف ، وأتينا بتلك الألوان وكان طعمها أطيب من ريحها ، فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها بقيت الكفّ أصل إلى صاحبتها ، ثمّ رفع الطعام وجيء بالوضوء ثمّ صرنا إلى منزل المنادمة فإذا هو أشكل منزل وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل عليّ بالحديث ، وجعلوا لا يشكّون أنّ ذلك منه عن معرفة مستقدمة ، وإنّما ذلك الفعل كان منه لما ظنّ أنّي منهما بسبيل حتّى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية كأنّها غصن بان تنثني ، فأقبلت تمشي ، فسلّمت غير خجلة وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها فجئته فعرفت من جسّها حذقها ثمّ اندفعت تغنّي وتقول :
| توهّمها طرفي وأصبح خدّها | وفيه مكان الوهم من نظري أثر | |
| وصافحها قلبي فألمّ كفّها | فمن مسّ قلبي في أناملها عقر |
فهيّجت يا أمير المؤمنين بلا بلي وطربت بحسن شعرها وحذقها ثمّ اندفعت تغنّي :
| أشرت إليها هل عرفت مودّتي | فردّت بطرف العين إنّي على العهد | |
| فحادت عن الإظهار غمد لسرّها | وحادت عن الإظهار أيضا على عمد |
فصحت السلاح يا أمير المؤمنين وجائني من الطرب ما لم أملك نفسي ثمّ اندفعت تغنّي الصوت الثالث :