مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء - المحلاتي، الشيخ ذبيح الله - الصفحة ٢٥٤ - المدفونون في سامرّاء القديمة ونواحيها من العلماء والأعيان
تنفر من الأواني المعمولة ولهذا تخلّفت عن خدمتك ساعة حتّى حصلت أشياء غير معمولة.
قال إبراهيم : تعجّبت من كياسته فطبخت لنفسي قدرا ما أذكر أنّي أكلت مثلها باللذاذة ، فلمّا قضيت إربي من الطعام قال : هل لك في شراب فإنّه يسلي الهمّ ويطيّب الفم ونقضي اليوم في خدمتك باللهو والطرب.
فقلت : ما أكره ذلك رغبة في مؤانستك ، فأحضر الحجّام صراحة من الخمر العتيق ، وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت جدّد ، ثمّ قال : أتأذن لي جعلت فداك أن أقعد ناحية وأشربه سرورا بك ، فقلت له : افعل ، فشرب وشربت ثمّ دخل إلى خزانته فأخرج عودا ثمّ قال : يا سيّدي ، ليس من قدري أن أسألك في الغناء ولكن أريد أن تسرّ عبدك بشيء من سماعه. فقلت : ومن أين لك أنّي أحسن الغناء؟ فقال : يا سبحان الله ، مولانا أشهر من أن يعرفه أحد ، أنت إبراهيم المهدي خليفتنا الذي جعل المأمون لمن دلّ عليه مائة ألف دينار.
فلمّا قال ذلك عظم في عيني وثبتت مروّته عندي ، فتناولت العود وأصلحته وقد مرّ بخاطري فراق أهلي وولدي ، فأنشأت :
| وعسى الذي أهدى ليوسف أهله | وأعزّه في السجن وهو أسير | |
| أن يستجيب لنا فيجمع شملنا | والله ربّ العالمين قدير |
فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه ، فقال لي : يا سيّدي ، أتأذن لي أن أغنّي بما سنح بخاطري وإن كنت من غير هذه الصناعة ، فأخذ العود وغنّى :
| شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا | فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا | |
| وذاك لأنّ النوم يغشي عيونهم | سريعا ولا يغشي لنا النوم أعينا | |
| إذا ما دنا الليل المضرّ بذي اللوى | جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا | |
| فلو أنّهم كانوا يلاقون مثل ما | نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا |