زبدة الحلب من تاريخ حلب - ابن العديم - الصفحة ٢٣٠ - إمارة ثمال بن صالح
في قل من الرّجال ، فلقيه معزّ الدّولة ثمال وأكرمه وحمل إليه مالا عظيما.
وحدّث بعض العرب من بني كلاب أنّهم لم يروا مثله في الشجاعة والمكر والحيلة ؛ وكان إذا ركب معزّ الدّولة قفز إليه ، ليمسك له الرّكاب ، ويصلح ثيابه في السّرج ، وهمّت بنو كلاب بالقبض عليه فمنعهم معزّ الدّولة.
ثمّ ندم بعد ذلك فإنه تقدّم إلى بالس ، وشتّى بشطّ الفرات ؛ واجتمعت إليه العرب والأتراك ، ففزع منه معزّ الدّولة ؛ وكان قد عرض عليه معزّ الدولة أولا مفاتيح الرّحبة فلم يأخذها منه ؛ ثم طلبها منه في هذه الحالة ليجعل فيها ماله وأهله ، في سنة ثمان وأربعين ، فسلّمها معز الدولة إليه.
وكان معزّ الدّولة كريما معطاء حليما. فمّها يحكي من كرمه : أنّ العرب اقترحوا عليه مضيرة [١] ، فتقدّم إلى وكيله أن يطبخها لهم ، وسأله : «كم ذبحت لأجلها؟» فقال : «سبعمائة وخمسين رأسا». فقال : «والله لو أتممتها ألفا لوهبت لك ألف دينار».
واستغنى أهل حلب في أيّامه ، حتى أنّ الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه بقصيدة ، شكا فيها كثرة أولاده ، وكان له أربعة عشر ولدا ، قال فيها :
| جنيت على نفسي بنفسي جناية | فأثقلت ظهري بالذي شبّ من ظهري | |
| عداد الثّريّا مثل نصف عدادهم | ومن نسله ضعف الثّريّا متى يثري | |
| وأخشى اللّيالي الغادرات عليهم | لأنّ اللّيالي غير مأمونة الغدر |
[١] المضيرة أن تطبخ اللحم باللبن.