خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ٣٧ - الرسالة الأولى خطرة الطّيف في رحلة الشتاء والصيف
وكان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة [١٠٦] حرسها الله ، وما بسطة محل خصيب ، وبلدة لها من اسمها نصيب ، بحر الطعام ، وينبوع العيون المتعدّدة بتعدّد أيام العام. ومعدن ما زيّن للناس حبّه من الحرث والأنعام. يالها من عقيلة ، صفحتها صقيلة ، وخريدة ، محاسنها فريدة ، وعشيقة (نزعاتها) [١٠٧] رشيقة ، لبست حلي [١٠٨] الديباج الموشى ، مفضّضة بلجين الضحى ، مذهّبة بنضار العشا [١٠٩] ، وسفرت عن المنظر البهي ، وتبسّمت عن الشنب الشهي وتباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشمّاء بغصونها ، فوقع النفير وتسابق إلى لقائنا الجم الغفير ، مثل الفرسان صفّا ، وانتشر الرّجل جناحا ملتفّا [١١٠] ، واختلط الولدان بالولائد ، والتمائم بالقلائد في حفل سلب النهى [١١١] وجمع البدر والسهى ، والضراغم والمها ، وألّف بين القاني والفاقع ، وسدّ بالمحاجر كوى البراقع ، فلا أقسم بهذا البلد وحسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلّق :
| بلاد بها الحصباء در وتربها | عبير وأنفاس الرياح شمول | |
| تسلسل منها ماؤها وهو مطلق | وصحّ نسيم الروض وهو عليل |
رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب ، وأخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب ، وكفاها بمسجد الجنّة دليلا على البركة ، وبباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر. إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع ، وكدّرت القرى بالقراع ، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيّم من التبريح ، وكلّما شكت إليها المضارب شكوى الجريح ، تركتها بين المائل والطريح.
[١٠٦] بسطة وهي مدينةBasti القديمة وتعرف اليوم باسم Baza وتقع في شمال شرق غرناطه بنحو ١٢٣ ك. م ويروي صاحب الروض المعطار ص ٤٥ أن هذه المدينة كانت مشهوره بمنتجاتها الزراعية ولا سيما الزيتون ، وبمنسوجاتها الحريرية وينسب إليها الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير
[١٠٧] كذا في (ب) وفي (ا) نزعتها
[١٠٨] في (ب) حلة
[١٠٩] العسي في (ا)
[١١٠] في (ا) متلفا
[١١١] في (ا) النها.