خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ٨٤ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
قلت فمدينة بسطة [٣٩٦] ، قال وما بسطة بلد خصيب ، ومدينة لها من اسمها نصيب ، دوحها متدلّ ، وطيب هوائها غير متبدل وناهيك من بلد اختص أهله بالمران في معالجة الزعفران ، وامتازوا به عن غيرهم من الجيران. عمّت أرضها السّقيا فلا تخلف ، وشملتها البركة تختص من يشاء الله ويزلف. يتخلل مدينتها الجدول المتدافع ، والناقع للعلل النافع. ثياب أهلها بالعبير تتأرّج ، وحورها تتجلى وتتبرج ، وولدانها في شط أنهارها المتعدّدة تتفرج. ولها الفحص الذي يسافر فيه الطرف سعيا ، ولا تعدم السائمة به ريّا ولا رعيا.
ولله در القائل :
| في بلدة عوّدت نفسي بها | إذ في اسمها طه وياسين | |
| ألجأني الدهر إلى عالم | يؤخذ منه العلم والدين |
إلا أن تربتها تفضح البناء ، وإن صحبه الاعتناء ، فأسوارها تسجد عند الإقامة وخندقها لاكسارها [٣٩٧] تلقامه [٣٩٨] فهي لذلك خير دار مقامه.
ورياحها عاصفة ورعودها قاصفة ، وحاميتها تنظر إلى الهياج ، من خلف سياج ، فالعدوّ فيها شديد الفتكات ، معمل الحركات ، وساكنها دائم الشكات ، وحدّها فليل وعزيزها لتوقع المكروه ذليل.
قلت فأشكر [٣٩٩] ، قال نعم البسيط المديد ، والرزق الجديد ، والسعي العديد ، والصيد القديد. تركب الجداول فحصها ، ويأبى الكمال نقصها ، ويلازم ظل الخصب شخصها. مسرح البهائم ، ومعدن الرعي الدائم ، إلا أن معقلها لا يمنع ، ومكانها يحوم عليه الحادث الأشنع ، ونفوس أهلها مستسلمة لما الله يصنع.
[٣٩٦] Baza راجع صفحة (٢١) حاشية (١) من هذا الكتاب.
[٣٩٧] اكسار وكسور ما تكسر وتثنى على الأرض.
[٣٩٨] يقال رجل تلقام وتلقامة أي عظيم اللقم. أي أن خندقها ممتلئ بما تكسر من الأسوار والمباني.
[٣٩٩] أشكر بلدة في ولاية غرناطة وتسمّى الآن Huescar وتقع في شمال بسطه. وكانت هذه البلدة موضع حروب ومنازعات بين المسلمين والنصارى أيام ابن الخطيب راجع Simonet Op.cit.p. (٣٦).