خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ٧٦ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
وعلى ذلك فطينها يشقى به قطينها ، وأزبالها تحيّى بها سبالها ، وسروبها يستملّ منها مشروبها. فسحنها [٣٥٥] متغيّرة ، وكواكب أذهانها النيّرة متحيّرة ، وأقطارها جدّ شاسعة ، وأزقّتها حرجة غير واسعة ، وآبارها تفسدها أزفارها وطعامها لا يقبل الاختزان ، ولا يحفظ الوزان ، وفقيرها لا يفارق الأحزان ، غير القسط أصواتها ، وأرحيتها تطرقها النوائب ، وتصيب أهدافها السهام الصوائب ، وتعد لها الجنائب [٣٥٦] ، وتستخدم فيها الصّبا والجنائب [٣٥٧] وديارها الآهلة قد صمّ بالنزائل صداها ، وأضحت بلاقع بما كسبت يداها ، وعين أعيانها أثر ، ورسم مجادتها قد دثر ، والدهر لا يقول لعا لمن عثر ، ولا ينظم شملا اذا انتثر. وكيف لا يتعلّق الذام ببلد يكثر به الجذام ، محلّة بلواه آهله ، والنفوس بمعرّة عدواه جاهله.
ثم تبسّم عند انشراح صدر ، وذكر قصّة الزبرقان بن بدر : [٣٥٨]
| تقول هذا مجاج النحل تمدحه | وإن ذممت فقل قيء الزنابير | |
| مدح وذم وعين الشيء واحدة | إن البيان يري الظلماء في النور |
فبليّش [٣٥٩] قال حادها المطر الصّيّب ، فنعم البلد الطيّب ، حلى ونحر وبرّ ولوز وتين ، وسبب من الأمن متين ، وبلد أمين ، وعقار ثمين ، وفواكه عن شمال ويمين ، وفلاحة مدعى انجابها لا يمين ، إلا أن التشاجر بها أنمى
[٣٥٥] في نسخ أخرى كتبت : فساحاتها ، فسخمها
[٣٥٦] الجنائب هنا بمعنى الدواب
[٣٥٧] الصبا والجنائب بمعنى رياح الشمال والجنوب
[٣٥٨] هذا الشعر كتبه سيمونيت على شكل نثر راجع (Simonet : Op.cit.p.٧)
[٣٥٩] بليش ، تحريف لكلمة اللاتينيةVallis بمعنى وادي ، وتسمّى الآن Velez وتقع في غرب مالقه بنحو ٣٤ ك. م وقد وصفها ابن بطوطه بقوله : وهي مدينة حسنة ، بها مسجد عجيب ، وفيها الأعناب والفواكه والتين مثل مالقه (رحلة ابن بطوطة ، ج ٢ ، ص ١٨٧). ونظرا لأن اسم بليش قد أطلق على أماكن أندلسية أخرى ، فقد سمّيت هذه البلدة باسم Velez Malaga لجوارها مدينة مالقه. وسنرى في الصفحات القليلة القادمة أن ابن الخطيب يعيد ذكر بليش مرة أخرى ، وهو في الواقع يقصد بلدة أخرى بهذا الاسم تعرف اليوم باسم Velez Rubio وتقع بجوار مدينة لورقه. راجع (F. Simonet : Deacripcion del reino de Granada p. p. ٣٩, ١١١)