خطرة الطيف - لسان الدين بن الخطيب - الصفحة ١٠١ - الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
قلت فمدينة سلا [٤٦٣] ، قال العقيلة المفضّلة ، والبطيحة المخضّلة ، والقاعدة المؤصّلة ، والسورة المفصّلة ، ذات الوسامة والنضارة ، والجامعة بين البداوة والحضارة. معدن القطن والكتّان ، والمدرسة والمارستان ، والزاوية كأنها البستان والوادي المتعدّد الأجفان ، والقطر الآمن عند الرجفان ، والعصير العظيم الشان ، والأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان. اكتنفها المسرح والخصب الذي لا يبرح ، والبحر الذي يأسو ويجرح ، وشقّها الوادي يتمّم محاسنها ويشرح. وقابلها الرّباط [٤٦٤] الذي ظهر به من المنصور الاغتباط ، حيث القصبة والساباط [٤٦٥] ووقع منه بنظرة الاعتباط ، فاتسع الخرق وعظم الاشتطاط ، وبعد الكمال يكون الانحطاط.
إلى شالة [٤٦٦] مرعى الذمم ونتيجة الهمم ، ومشمخ الأنوف ذوات الشمم ، وعنوان بر الدّيّم ، حيث الحسنات المكتتبة ، والأوقاف المرتبة ، والقباب كالأزهار مجودة بذكر الله أناء الليل وأطراف النهار ، وطلل حسّان المثل في الاشتهار [٤٦٧]. وهي على الجملة من غيرها أوفق ، ومغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق ، ومقبرتها المنضّدة عجب في الانتظام ، معدودة في المدافن العظام ، وتتأتى بها للعبادة الخلوة ، وتوجد عندها للهموم السلوة ، كما قال ابن الخطيب :
وصلت حثيث السير فيمن فلا الفلافلا خاطري لمّا نأى وانجلى انجلى
| ولا نسخت كربي بقلبي سلوة | فلمّا سرى فيه نسيم سلا سلا |
[٤٦٣] Sale راجع ما سبق أن قيل عن هذه المدينة في الرسالة الثانية ص (٣٩).
[٤٦٤] مدينة رباط عاصمة المغرب الأقصى اليوم ، بناها الخليفة المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٤ ـ ٥٩٥ ه) أعظم ملوك الموحدين ، وسمّاها (رباط الفتح) وهذه المدينة تقابل وتواجه مدينة سلا فقيل الرباط وسلاه ويفصلهما وادي أبو الرقراق (بور جراج) (السلاوي : الاستقصا ج ١ ، ص ١٦٤ ـ ١٨١).
[٤٦٥] الساباط ، سقيفة بين دارين ، تحتها طريق وجمعها سوابيط وساباطات
[٤٦٦] Chella شالة سلا حيث مقابر ملوك بني مرين. راجع ما قلناه عنها سابقا (ص ١٣).
[٤٦٧] إشارة إلى مسجد حسان بمدينة الرباط الذي كان من أعظم مساجد الإسلام ، بناه الخليفة الموحدي يعقوب المنصور وسمّي باسم مهندسه حسّان. وقد تعرض هذا المسجد لحريق وزلزال أطاح بطرف صومعته وصار مضرب الأمثال في الشهرة والاعتبار.