الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦٦
أفلا ترى: أنّ الهوى و المحنة: لازمة له، و للمؤمنين: طالبة لهم؟
ثم إنه، صلّى اللّه عليه و سلم: يخرج هو و أصحابه، فيهل[١] و يسوق الهدى، يريد العمرة[٢] فتمنعه قريش من دخول مكة، حتى اضطرب الناس، فأحل بالموضع الذي يسمى الحديبية[٣]، و رجع، و لم يدخل الحرم!!
ثم انظر الآن؛ حين انقضت مدة البلاء، و جاء النصر: كيف دخل مكة، صلّى اللّه عليه و سلم فقتل، و أمن من شاء، ثم بشر عندها بالمغفرة، فأنزل اللّه، عزّ و جلّ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ١ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢]! الآية.
و هذا موسى، ٧، و منزلنه عند اللّه؛ فانظر إلى عظيم بلائه، حين حملت به أمه، كيف ذبحت النساء، و قتل الولدان، في طلب موسى، ٧! فرجع بلاؤه على الخليفة.
ثم أخبر اللّه، عزّ و جلّ، عنه فقال: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ [القصص: ١٨].
و قال: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٠، ٢١].
ثم انظر أيها المريد، الطالب للوصول إلى كرامة اللّه، عزّ و جلّ، بالتواني[٤] و التفريط[٥]، ألم يبلغك: أن موسى، ٧: لم يصل إلى امرأته، حتى رعى الغنم، و خدم عشر سنين، ثم أرسله اللّه تعالى، و كلمه، و أظهر برهانه؟!
فقال: لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى [طه: ٤٦]؟!
فحين قال لهما: «لا تخافا» هل خافا؟! ألم يجعل لهما آية في عصا، فظهرا على كيد السحرة، و هزما الجيوش، ثم أداله[٦] اللّه تعالى، من أعدائه، و أغرقهم أجمعين؟!
و هذا يوسف، ٧، حين أخبر اللّه تعالى، عنه: أنه يلقى في الجب، ثم
[١] - هلّ الرجل: فرج، و هلل: قال: لا إله إلا اللّه.
[٢] - العمرة: أفعال مخصوصة تسمى بالحج الأصفر، و أفعالها أربعة: الإحرام، و الطواف، و السعي بين الصفا و المروة، و الحلق. و ليس لها وقت معين، و لا وقوف بعرفة( ج) عمر.
[٣] - الحديبية: قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تحتها.( معجم البلدان ٢/ ٢٢٩).
[٤] - التواني: التقصير و الفتور.
[٥] - التفريط: تجاوز الحدّ من جانب النقصان و التقصير كمدح الرجل بأقل مما يستحق.
[٦] - الإدالة: الغلبة.