الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٣٢
صعوبة كما يقال : يعز على كذا. قال تعالى : (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) التوبة ـ ١٢٨ ، أي صعب عليه واستعمل في كل غلبة كما يقال. من عزّ بزّ أي من غلب سلب ، قال تعالى : (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) ص ـ ٢٣ ، أي غلبني ، والأصل في معناه ما مر.
ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر محقق أو مفروض قال تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) البقرة ـ ٦١ ، وقال تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ ) الاسراء ـ ٢٤ ، وقال تعالى : (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) المائدة ـ ٥٤.
والعزة من لوازم الملك على الإطلاق ، وكل من سواه إذا تملك شيئاًً فهو تعالى خوله ذلك وملكه ، وإن ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضاً وما عند غيره منها فانما هو بايتائه وإفضاله قال تعالى : (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ) النساء ـ ١٣٩ وقال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) المنافقون ـ ٨ وهذه هي العزة الحقيقية وأما غيرها فانما هي ذل في صورة عز قال تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) ص ـ ٢. ولذا أردفه بقوله : (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) ص ـ ٣.
وللذل بالمقابلة ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه إلا من أعزه الله تعالى (تُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء).
قوله تعالى : (بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ؛ الاصل في معنى الخير هو الانتخاب وإنما نسمي الشيء خيراً لإنا نقيسه إلى شيء آخر نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير ولا نختاره إلا لكونه متضمناً لما نريده ونقصده فما نريده هو الخير بالحقيقة ، وإن كنا أردناه أيضاً لشيء آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة ، وغيره خير من جهته ، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى خيراً لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره وهو المنتخب من بين الأشياء إذا أردنا واحداً منها وترددنا في اختياره من بينها.
فالشيء كما عرفت إنما يسمى خيراً لكونه منتخباً إذا قيس إلى شيء آخر مؤثراً بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الغير ولذا قيل : إنه صيغة التفضيل وأصله أخير. وليس بأفعل التفضيل ، وإنما يقبل انطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق