الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨٨
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ـ ٥٥. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ـ ٥٦. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ـ ٥٧. ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ـ ٥٨. إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ـ ٥٩. الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ـ ٦٠.
( بيان )
قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ) ؛ الجملة معطوفة على قوله : إذ قالت امرأة عمران ، فتكون شرحاً مثله لاصطفاء آل عمران المشتمل عليه قوله تعالى : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى) ، الآية.
وفي الآية دليل على كون مريم محدثة تكلمها الملائكة وهي تسمع كلامهم كما يدل عليه أيضاً قوله في سورة مريم : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً إلى آخر الآيات ؛ وسيأتي الكلام في المحدث.
وقد تقدم في قوله تعالى : فتقبلها ربها بقبول حسن ؛ الآية : أن ذلك بيان لاستجابة دعوة ام مريم : وإني سميتها مريم : وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ؛ الآية وأن قول الملائكة لمريم : (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ) إخبار لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة والمنزلة فارجع إلى هناك.
فاصطفائها تقبلها لعبادة الله ، وتطهيرها اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة معصومة ؛ وربما قيل ؛ إن المراد من تطهيرها جعلها بتولاً لا تحيض فيتهيأ لها بذلك أن لا تضطر إلى الخروج من الكنيسة ، ولا بأس به غير أن الذي ذكرناه هو الأوفق بسياق الآيات.