الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨١
وقد ذكر بعض المفسرين : أن المراد من جعله تعالى عدم التكليم آية نهيه عن تكليم الناس ثلثة أيام ، والانقطاع فيها إلى ذكر الله وتسبيحه دون اعتقال لسانه ، قال : الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه ويبشر أهله فسأل عن الكيفية ، ولما أُجيب بما اجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ، ويكون اتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود ، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلثه أيام بل ينقطع إلى الذكر والتسبيح مسائاً صباحاً مده ثلثه أيام فإذا احتاج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيمائاً ، على هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث الليال ، انتهى.
وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره ( من مسألته عبادة تكون شكراً للمنحة ، وانتهائها إلى حصول المقصود ، وكون انتهائها هو الآية وكون قوله : أن لا تكلم مسوقاً للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله ) في الآية عين ولا أثر.
( كلام في الخواطر الملكية والشيطانية وما يلحق بها من التكليم )
قد مر كراراً أن الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث اشتمالها على الأغراض المقصودة منها وأن القول أو الكلام مثلاً إنما يسمى به الصوت لافادته معنى مقصودا يصح السكوت عليه ، فما يفاد به ذلك ، كلام وقول سواء كان مفيده صوتاً واحداً أو أصواتاً متعددة مؤلفة أو غير صوت كالايماء والرمز ، والناس لا يتوقفون في تسمية الصوت المفيد فائدة تامة كلاماً وإن لم يخرج عن شق فم ، وكذلك في تسمية الإيماء قولاً وكلاماً وإن لم يشتمل على صوت.
والقرآن أيضاً يسمي المعاني الملقاة في القلوب من الشيطان كلاماً له وقولاً منه ؛ قال تعالى حكاية عن الشيطان : (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ ) النساء ـ ١١٩ ، وقال : (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ) الحشر ـ ١٦ ، وقال : (يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) الناس ـ ٥ ، وقال : ( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ) الأنعام ـ ١١٢ ، وقال أيضاً حكاية عن إبليس : (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ) إبراهيم ـ ٢٢ ، وقال : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً