مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره - الحسّون، محمد - الصفحة ٣٢
ولم تحقّق اتصالا ذا بال بالمراكز العلميّة الشيعيّة، فضلا عن أنّ حياته العاصفة بما صاحبها من نضج مبكّر لم تكن الطراز المناسب لنباء إنسان يقدّر أثر التغييرات العقليّة التقدير الذي تستحقّه.
حقّاً لقد أقام الشاه إسماعيل تنظيماً مرتجلا لنشر التعليم الشيعي، ولكنّنا لا نشهد لذلك كبير أثر، كما حقّق اتّصالا مبكّراً ومباشراً بقم والنجف الجامعتين العريقتين للشيعة، ولكننا لا نعرف أنّه حاول الإفادة منهما.
هكذا يمكن القول: إنّ المستوى المتواضع الذي حقّقه التعليم الشيعي في ايران حتّى هذه الفترة يمثّل ما تعطيه قوّتها الذاتيّة وفقهاؤها المحليّون، لكن كلّ شيء كان يفرض عملا أكثر جدوى، خاصّة وأنّ الدولة النامية الطموحة كانت المناجز الطبيعي للدولة العثمانية المترامية الأطراف، والتي أصبحت الممثّل الرسمي للتيار التقليدي في العالم الإسلامي، وأقامت نظاماً سياسياً ركيناً خليفته مبدأ الخلافة[١].
وهكذا توقّف كلّ شيء على مدد يأتي من الخارج، فوجّه الشاه إسماعيل النداء تلو النداء لعلماء النجف الأشرف للتوجّه إليه والعمل على ترسيخ قواعد الدولة الفتيّة ونشر مبادىء المذهب الحقّ.
إلاّ أنّ نداءاته هذه لم تلق أذناً صاغية، إلاّ من رجل عامليّ كركيّ كان يسكن تلك المدينة المقدّسة الزاخرة بكمّ هائل من العلماء والأفاضل، فاستجاب لدعوة الشاه إسماعيل، وتوجّه لايران وهو يحمل عقليّة كبيرة وآمال واسعة يرجو تحقيقها.
وبهجرة الكركي إلى ايران انفتح باب الهجرة اللبنانيّة إلى ايران على مصراعيه، وبدأ عصر جديد في الدولة الصفويّة حيث شهدت مدنها وقراها تواجداً علمائياً عربيّاً لبنانياً
[١]ـ انظر الهجرة العامليّة: ١١٣ ـ ١١٥.