موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٩ - البداوة غذاء الحضارة
بين القبائل المتحضرة التي تسكن مختلف الأقطار العربية كزراع و رعاة و على الاخص القبائل العربية التي تحتفظ بالشيء الكثير من طبيعة البدو و اخلاقهم مع ما مر عليهم من القرون الطويلة و هم يجاورون القرى و المدن و يحتكون بأهلها، بل لقد بقي البعض على الطبيعة البدوية القديمة في حين سكن منهم المدن و تحضر و ألف حياة المدينة و تطبّع بطابعها. نلمس اثر البداوة في الكثير من المدن العربية، و ندرك شيئا من عوامل البداوة في الحضارة و عوامل الحضارة في البداوة.
البداوة غذاء الحضارة
و عن كيفية انتقال البدو الى التحضر و هجر الخيام و سكنى القرى و المدن يقول جرجي زيدان ان أقدم الامم السامية التي تمدنت و خلفت آثارا هم البابليون فقد تمدنوا في الالف الثالث قبل الميلاد و قد اعتمد جرجى زيدان على (كلاي)
Clay
في هذا التاريخ و هو الزمن الذي نزح فيه الفينيقيون من الخليج الى سوريا على ما يظن، و كانت بابل بلاد حضارة و تمدن قبل ذلك الحين باجيال و سكانها السومريون، فاقام الساميون اولا في غربيها ببادية العراق و الشام و هم قبائل رحل يعيشون على السائمة و الغزو مثل بدو هذه الايام هناك، و كما كان بنو لخم و غسان في صدر الاسلام فكان السومريون يستعينون بهم في محاربة اعدائهم كما كان الفرس و الروم يستعينون باللخميين و الغساسنة لان الغلبة كانت يومئذ للقوة البدنية، و ان الحضارة تبعث على الرخاء و الترف و الانغماس في الملذات و الركون الى الراحة فتذهب تلك القوة و تؤول الى الضعف، و ان البداوة تقوي الابدان، و تربي النفوس على الاستقلال، فلذلك كان اهل الحضارة او المدن يستعينون باهل البداوة او الجبال فيما يحتاج الى جهد، حتى اذا شاخت الدولة المتحضرة خلفها جيرانها البدو او الجبليون بالفتح او نحوه، و قاموا مقامها، و اقتبسوا عادات اهلها و ديانتهم ثم لا يلبثون ان يدركهم الهرم فيخلفهم سواهم من اهل البادية، سنة اللّه في خلقه، و كان اهل البادية او الجبال مصدر الغذاء للمدن: يحيون اهلها بالنزول بينهم و التزوج منهم،