موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٠ - البداوة غذاء الحضارة
و يربون لهم الماشية و السائمة لغذائهم و ركوبهم، و كأن المدن مهلك الابدان و العقول يأتيها البدو بنشاطهم و أنفهتم فلا يلبثون ان يتحضروا و يركنوا الى الرخاء حتى تنحل عزائمهم، و يتولاهم الضعف و يتفشى فيهم الذل، فيأتي من يقوم مقامهم.
هذا هو شأن العالم من قديم الزمان حتى الآن فالعراق بلاد خصب و رخاء نزلها الطورانيّون قديما: جاؤوها و هم أهل بادية او جبال، فطاردوا قوما كانوا فيها من اهل الرخاء لم يصلنا خبرهم، و أنشأوا فيها تمدنا حسنا، و اتخذوا آلهة و شرائع، و استنبطوا كتابة صورية تحولت بتوالي الاجيال الى الشكل المسماري المعروف، و لما تحضروا و غلب عليهم الرخاء، جاءهم الساميون من البادية و غلبوهم على ما في ايديهم، و اخذوا آلهتهم و شرائعهم، و زادوا فيها او حسّنوها، و قد تدرجوا في التغلب و التحضر.
على ان ما يذكره جرجي زيدان ليس في الواقع ان كل التحضر قد جرى على اسلوب الغزو و انتهاز فرص ضعف المتحضرين و ما شابه و انما هنالك علل أخرى يعود اليها تمصير القرى و المدن و تحضر اهل البادية و انتقال جوانب من الحضارة الى البدو و تلوين حياتهم بها ألا و هي الاحوال الاقتصادية و مقتضيات المعيشة التي تتطلب من البدوي ان يدنو من القرى و المدن بداعي تبادل المنفعة و تبادل البضاعة ثم لا تلبث هذه المصالح ان تقوى اسبابها فتجر البدوي الى الاتصال بالمدينة اكثر و اكثر حتى يؤول الأمر الى سكناه و قد يكون سكناه هذا سببا لاتباع اثره من الاقرباء و المعارف حين يرون ما اصاب من الرخاء فيؤمون القرية و المدينة كما أمّها هو و يعاف حياة البادية و عيشة الخيام و يسكن البيوت المسقفة و الحجر، و في العراق اليوم قرى بل و مدن تسكنها أسر و عائلات كانت بالاصل قبيلة واحدة من قبائل العراق التي جاءت اول ما جاءت من البادية.
و على ان هجرة البدو الى العراق قديمة و نزولها في اطراف المدن كرعاة