موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٨ - البدو و الحضارة
و على رغم ان تاريخ البداوة العربية لم يخل من غموض لكثرة ما تكتنفه من الاساطير و الحكايات التي كان اغلب مصادرها القصص التي كانت تتناقلها الألسن فقد ازاحت الآثار التي عثر عليها المنقبون في العصور الاخيرة الستار عن حقائق ذات أهمية كبرى لا تصور حياة البداوة العربية فحسب و انما تصور حضارة مزدهرة في بقاع كثيرة من الجزيرة و على الاخص اليمن، و تنقل الشيء الكثير عن كيفية انتقال البداوة الى الحضارة و الاستقرار في قرى صغيرة تضمن للساكنين ماء الشرب و سائر مقتضيات الحياة ثم تتسع هذه القرى على قدر ما فيها من مؤهلات للاتساع حتى تصبح مدينة.
يقول جرجي زيدان، و حين امتد نفوذ العرب الى ما وراء الجزيرة و قرأ أهل الخبرة ما تيسر من تاريخ العرب اندهشوا لما كان من اكتساح العرب للعالم المتمدن و هم جماعات من اهل البادية لا خبرة لهم، و لا دربة عندهم، فغلبوا الروم و الفرس في صدر الاسلام و استولوا على المملكتين في بضع عشرة سنة مما لم يسمع بمثله في تاريخ الأمم قديما و لا حديثا ثم أنشأوا الدول و نظموا الحكومات، و جندوا الجيوش فاصبح من اقصى اماني المحققين معرفة حقيقة ذلك الشعب، فاخذوا يبحثون في تواريخهم القديمة، و يطبقون ما رواه العرب على ما ذكره اليونان و غيرهم فعرفوا اشياء لم يعرفها العرب انفسهم فزادوا رغبة في استيضاح ذلك التاريخ باستنطاق الاثار المكتوبة و غير المكتوبة في انقاض المدائن العربية في اليمن و الحجاز و مشارق الشام و لكنهم لم يكونوا يستطيعون الوصول الى تلك الاماكن الا بالعناء الشديد [١] .
و من هذه الاثار المتبقية ثم مما بقي حتى اليوم من العادات و الأخلاق التي انطبعت بها البداوة العربية و التي لا نزال نشهدها بين البدو بل و حتى
[١] العرب قبل الاسلام-دار مكتبة الحياة-بيروت ص ٨.