تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٥ - الأمر السادس
«و حق الانجيل هذا جيّد لنا و لهم- يعني الأوروبيين و الصقالبة- و تصبح البلاد نصرانية» [١]. و قال أحد زعمائهم: «إذا عزمتم على جهاد المسلمين فأفضل ذلك فتح بيت المقدس، تخلصونه من أيديهم و يكون لكم الفخر» [٢].
و كان ذلك عام ٤٩١، و قد استطاعوا أن يحققوا هدفهم هذا في العام المقبل. فقد احتلوا البيت المقدس بعد سلسلة من المذابح فيها و في كل مدينة إسلامية مروا بها في طريقهم. حيث لم يكن مرادهم الفتح فقط، بل التشفي من المسلمين، و إبادتهم و الانتقام من فتوحهم المظفرة.
ففي بلدة البيت المقدس نفسها كما يقول لنا التاريخ [٣]: «ركب الناس السيف و لبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين ... و قتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين و علمائهم و عبادهم و زهادهم، ممن فارق الأوطان و جاور بذلك الموضع الشريف. و أخذوا من عند الصخرة نيفا و أربعين قنديلا من الفضة وزن كل قنديل ثلاثة آلاف و ستمائة درهم. و أخذوا تنورا من فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي. و أخذوا من القناديل الصغار مائة و خمسين قنديلا نقرة، و من الذهب نيفا و عشرين قنديلا، و غنموا منه ما لا يقع عليه الاحصاء».
و بقي البيت المقدس تحت الاحتلال المباشر للصليبيين ما يقرب من مائة عام، توسعوا من خلالها إلى دمشق و بيروت و عكا و يافا و صيدا و صور و غيرها من المدن المسلمة. حتى سلط اللّه تعالى عليهم جماعة من عباده الشجعان بقيادة صلاح الدين الأيوبي. فأذاقوهم طعم الفرار و الاندحار، و نصر اللّه تعالى دينه و أعلى كلمته، بعد دهر من المحنة و التمحيص.
و قد بدأ صلاح الدين بالأطراف، فاسترجعها منهم، في حروب قاسية، حتى استطاع فتح البيت المقدس عام ٥٨٣ [٤]. بالصلح، بعد حصار طويل و مناوشات طويلة، أظهر فيها كل من المسلمين و الافرنج غاية الاستبسال و الصمود.
[١] الكامل ج ٨ ص ١٨٥.
[٢] المصدر و الصفحة و انظر الفتوحات الاسلامية ج ١ ص ٥٠٠.
[٣] الكامل ج ٨ ص ١٨٩ و الفتوحات ج ١ ص ٥٠٤.
[٤] الكامل ج ٩ ص ١٧٥ و ص ١٨٢ و الفتوحات ج ١ ص ٥٢٠.