تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٣ - الأمر السادس
الحرارية التي أوجدها النبي (ص) في المجتمع الاسلامي، كما أشرنا إليها، قد بدأت بالتنازل و الخمود في تلك العصور. فكان انحراف المسلمين و تناسيهم لتعاليم دينهم، و تفضيلهم لمصالحهم الضيقة، قد أوجب إعراضهم عن الجهاد و تغافلهم عن احكامه و الاكتفاء بواقعهم المرير الذي كان في ذلك الحين يعاني من أشد الأزمات و الانقسامات في داخل الدولة الاسلامية الممزقة. و كانت الخلافة العباسية قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة.
و قد أدت هذه الهدنة المنحرفة مع الروم إلى تبادل بعض الثقة و حسن الظن بين المعسكرين. مما أوجب لهما معا أن لا يجدا مانعا عن الاتفاق أحيانا، بل الاشتراك في عمل عسكري موحد. و هو ما حدث مرة أو أكثر في القرن السابق على الحروب الصليبية. و هو المصداق الواضح لقول النبي (ص): «فتغزون أنتم و هم عدوا من ورائكم، فتنصرون و تغنمون و تسلمون».
و لعل أوضح الحوادث صراحة في ذلك، ما حدث عام ٣٧٥ على ما يحدثنا التاريخ [١] من أنه وقع اختلاف بين ملوك الروم مع بعضهم، فاستنجد بعض منهم بملوك الإسلام، و ذلك البعض هو «ورد» الرومي. و كان من أكابر رءوسهم و قواد جيوشهم و عظماء بطارقتهم. فطمع في الملك و لا قدرة له على قتال المتنازعين. فكاتب أبا تغلب بن حمدان أمير حلب و الموصل نيابة عن الخليفة، و استنجد به و صاهره. فاجابه ابن حمدان و استجاش بالمسلمين من الثغور فحصل له جيش ضخم، فقصد قتال الروم بذلك الجيش. فأخرجوا له جيشا بعد جيش و هو يهزمهم، فقوى جنانه فقصد القسطنطينية، و مع تلك الجيوش «ورد» الرومي الطالب لتملك القسطنطينية.
فانظر كيف اتفق هذا الحمداني و الرومي على حرب بقية الروم و انتصرا عليهم. كما قال النبي (ص). و إن لم يدم هذا النصر طويلا، فانه حين أراد فتح مدينة القسطنطينية، جمعوا له جيوشا كثيرة و قاتلوه قتالا شديدا حتى انهزم [٢].
و مما يدلنا على تبادل بعض الثقة بين المعسكرين حوادث أخرى:
منها: ان ورد الرومي المذكور حين انهزم عن القسطنطينية، فكر بأن يستند إلى عضد الدولة بالعراق، فكاتبه و وعده ببذل الطاعة. فأجابه بجواب حسن و وعده بأن ينصره.
[١] الفتوحات الاسلامية ج ١ ص ٣٤٧.
[٢] المصدر و الصفحة.